ثم قال: قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا.
أي: قالت جماعة الأعراب صدقنا بالله وبرسوله، قل لهم يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وخضعنا وتذللنا.
والإسلام في اللغة الخضوع والتذلل لأمر الله جل ذكره والتسليم له.
والإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله.
وللإسلام موضع آخر وهو الاستسلام خوف القتل، قد يقع الإسلام بمعنى الإيمان وقد يكون بمعنى الاستسلام. والإيمان والإسلام يتعرفان على وجهين إيمان ظاهر/ لا باطن معه نحو قوله: وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] وإيمان باطن وظاهر وهو المتقبل، وإسلام ظاهر لا باطن معه كالذي في هذه السورة.
والإسلام أعم من الإيمان لأن الإسلام ما صدق به باطن [ونطق به الظاهر والإيمان ما صدق به الباطن]، فإن كان الإسلام ظاهراً غير باطن فليس بإيمان إنما هو استسلام ولا هو إسلام صحيح.
وهذه الآية نزلت في أعراب من بني أسد، وهم من المؤلفة قلوبهم أسلموا
بألسنتهم خوف القتل والسباء ولم تصدق قلوبهم ألسنتهم.
فرد الله عليهم قولهم " آمنا " إذ لم يصدقوه بقلوبهم، وقال بل قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا في الظاهر خوف القتل، فالإسلام / قول، والإيمان قول وعمل.
قال الزهري: الإسلام قول والإيمان عمل.
قال ابن زيد قوله: قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ أي: لم تصدقوا قولكم بعملكم.
ثم أخبر تعالى بصفة المؤمنين فقال: إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ.
قال النخعي: ولكن قولوا أسلمنا: أي: استسلمنا.
وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا فأعلمهم الله تعالى أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين.
وقيل إنهم منوا على النبي ﷺ بإيمانهم فأعلمهم الله تعالى أن هذا ليس من خلق المؤمنين إنما هو من خلق من استسلم خوف السباء والقتل، ولو دخل الإيمان في قلوبهم ما منّوا به، ودليله قوله بعد ذلك يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ [الحجرات: ١٧].
وقال قتادة: لم تعم هذه الآية كل الأعراب، بل فيهم المؤمنون حقاً، إنما نزلت في حي من أحياء العرب امتنوا بإسلامهم على نبي الله فقالوا آمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان.
ثم قال تعالى ذكره: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ.
أي: ولما يدخل العلم بشرائع الإيمان وحقائقه في قلوبكم، وهو نفي قد دخل.
ثم قال: وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً.
أي: إن أطعتم الله ورسوله فيما تؤمرون به لا ينقصكم الله (من ثواب أعمالكم شيئاً في الآخرة) ولا يظلمكم.
قال ابن زيد معناه: " إن تصدقوا قلوبكم بفعلكم يقبل ذلك منكم، وتجازوا
عليه.
يقال: أَلَتَهُ ويَأَلِتْهُ وَلآتَهُ يَلِيتُه لغتان بمعنى: نَقَصَه، فمن قرأ " لاَ يَلِتْكُمْ " فهو من لاَتَ يَلِيتَ، وتصديقها في المصحف أنها بغير ألف بعد الياء، ولو كانت همزة لم تختصر من الخط.
ومن قرأ " يَاْلِتْكُمْ " فهو من أَلَتَ يَأْلِتُ.
فأما قوله: وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم [الطور: ٢١] فهو من أَلَتَ يَأْلَتُ، (ولو جاء على اللغة) الأخرى لقيل، وما أَلَتْنَاهُمْ. وهذه لغة هذيل.
وبذلك قرأ ابن مسعود وأُبي، وهذه القراءة شاهدة لقراءة من قرأ هنا
" يَلِتْكُمْ " من لاَتَ يَلِيْتُ، لكنها مخالفة للخط؛ لأن الخط في " والطور " بألف قبل اللام، لكن من جعله هنا من لات وفي " الطور من ألت " فإنما جمع بين اللغتين واتبع الخط في الموضعين، ومثله مما أجمع عليه قوله: فَهِيَ تملى عَلَيْهِ [الفرقان: ٥]، فهذا من أَمْلَى يُمْلِي.
ثم قال في موضع آخر: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ [البقرة: ٢٨٢]، فهذا من أمثال، يقال أَمْلَى عليه وَأَمَال عَلَيْه: لغتان، ومثله قوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً [النساء: ٥٥] فهذا من أمليت.
وقال في موضع آخر ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١] فهذا من صليت.
ومثله قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ الله الخلق [العنكبوت: ١٨] من أبدأ، وقال: كَيْفَ بَدَأَ الخلق [العنكبوت: ١٩] من بدأته، يقال: أَبْدَأَهُ وَبَدَأَهُ لغتان.
وقد قرأ ابن كثير: أَلِتْنَاهُمْ بكسر اللام، وهي لغة أيضاً. يقال: أَلِتَ يَأْلِتُ وَأَلَتَ يَألَتُ.
ثم قال: إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي