ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

وصفة المغفرة وصفة الرحمة كل في مطلقها تكون لله وحده، وهي توبة للجاني ورحمة للمجني عليه، وكلمة " إن الله غفور رحيم " توضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في أن يغفر وأن يرحم، فإياك أن تقول : إن فلانا لا يستحق المغفرة والرحمة لأنه سبحانه مالك السماء والأرض، وهو الذي أعطى للبشر ما يستحقون بالحق الذي أوجبه على نفسه، وله طلاقة القدرة في الكون، ولذلك يقول من بعد ذلك :
ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير( ٤٠ ) :
ويستخدم الحق سبحانه من أساليب البيان ما يخرجنا عن الغفلة فلم يقل :" الله له ملك السماوات والأرض "، ولو كان قد قال ذلك لكان الأمر خبرا من المتكلم وهو الله، ولكنه يريد أن يكون الخبر من المخاطب إقرارا من العبد، ولا يخرج الخبر مخرج الاستفهام إلا وقائل الخبر واثق من أن جواب الاستفهام في صالحه، والمثال على هذا هو أن يأتيك إنسان ويقول : " أنت تهملني " فتقول : أنا أحسنت إليك.
ولكن إن أردت أن تستخرج الخبر منه فأنت تقول : ألم أحسن إليك ؟ وبذلك تستفهم منه والاستفهام يريد جوابا، فكأن المسئول حين يجيب، عليه أن يدير ذهنه في كل مجال ولا يجد إلا أن يقول : نعم أنت أحسنت إلي، ولو جاء ذلك من المتكلم لكانت دعوى، لكن إن جاءت من المخاطب فهي إقرار، ومثال ذلك قول الحق : ألم نشرح لك صدرك( ١ ) ( سورة الشرح ).
إنه خبر من المتكلم والإقرار من المتلقي وقد يقول قائل ولماذا لم يقل الحق :" أشرحنا لك صدرك " ؟ كان من الممكن ذلك، ولكن الحق لم يقلها حتى لا يكون في السؤال إيحاء بجواب الإثبات بل جاءت بالنفي.
وفي قوله الحق : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير ( سورة المائدة ).
نجد منطوق الآية ليس دعوى من الحق، ولكنه استفهام للخلق ليديروا الجواب، على هذا، فلا يجدوا جوابا إلا أن يقولوا : " لله ملك السماوات والأرض " وهذا أسلوب لإثبات الحجة والإقرار من العباد، لا إخبارا من الحق : " ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض "، وقد يقول إنسان : إن هناك أجزاء من الأرض ملكا للبشر، ونقول : صحيح أن في الأرض أجزاء هي ملك للبشر ولكن هناك فرق بين أن يملك إنسان ما لا يقدر على الاحتفاظ به كملك البيت والأرض، إنه ملك بكسر الميم لمالك، وهناك " ملك " بضم الميم لملك هو الله وفي الدنيا نجد أن لكل إنسان ملكية ما، ولكن الملك في الأرض يملك القرار في أملاك شعبه وهذا في دنيا الأسباب، أما في الآخرة فالأسباب كلها تمتنع : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( من الآية١٦سورة غافر ).
فلا أحد له مُلك يوم القيامة.
" ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء " والقارئ بإمعان للقرآن يجد فيه عبارات تجمع بين أمرين أحدهما يتقدم، والآخر يتأخر، ويأتي الأمر في أحيان أخرى بالعكس ولكن هذا القول هو الوحيد في القرآن الذي يأتي على هذا النسق، فكل ما جاء في القرآن يكون الغفران مقدما على العذاب، لأن الحق سبحانه قال في الحديث القدسي :( إن رحمتي سبقت غضبي )(١).
فلماذا جاء هذا العذاب في هذه الآية مقدما على الغفران : " يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء " هل السبب هو التفنن في الأساليب ؟ لا، لأن جمهرة الآيات تأتي بالغفران أولا ثم بالوعيد بالعذاب لمن يشاء سبحانه ولننظر إلى السياق جاء الحديث أولا عن السارق والسارقة، وبعد ذلك عمن تاب فالسرقة إذن تقتضي التعذيب، والتوبة تقتضي المغفرة إذن فالترتيب هنا منطقي.
ونلحظ أن هذا القول قد جاء بعد آية السرقة وبعد آية الإعلام بأن له ملك السماوات والأرض، ولذلك كان لا بد من تذييل يخدم الاثنين معا، ليؤكد سيطرة القدرة وحين يريد الحق أن يرحم واحدا، فليس في قدرة المرحوم أن يقول : " لا أريد الرحمة " وحين يعذب واحدا لن يقول المعذب بفتح الذال : " لا داعي للعذاب " فسيطرة القدرة تؤكد أنه لا قدرة لأحد على رد العذاب أو الرحمة إذن فالآية قد جاءت لتخدم أغراضا متعددة فان حسبناها في ميزان الأحداث فللحق كل القدرة وإن حسبناها في ميزان الزمن، فكيف يكون الأمر ؟.
نعرف أن التعذيب للسرقة قسمان... تعذيب بإقامة الحد، وفي الآخرة تكون المغفرة. إذن فالكلام منطقي متسق.
إنني أقول دائما : إياكم أن تخدعوا بأن الكافر يكفر، والعاصي يعصى دون أن ينال عقابه، لأن من تعود أن يتأبى على منهج الله، فيكفر أو يعصى لا بد له من عقاب، لقد تمرد على المنهج ولكنه لا يجرؤ على التمرد على الله.
إن الإنسان قد يتمرد على المنهج فلا يؤمن أو لا يقيم الصلاة، لكن لا قدرة لإنسان أن يتمرد على الله، لأنه لا أحد يقدر على أن يقف في مواجهة الموت، وهو بعض من قدرة الله، وسبحانه وتعالى يحكم ما يريد وقد أراد أن يوجد للإنسان اختيارا في أشياء، وأن يقهر الإنسان على أشياء، فيا من مرنت على التمرد على منهج الله عليك أن تحاول أن تتمرد على صاحب المنهج وهو الله، لن تستطيع لا في شكلك ولا لونك ولا صحتك ولا ميعاد موتك، وليفتح كل متمرد أذنيه، وليعرف أنه لن يقدر على أن يتمرد على صاحب المنهج وهو الله، إذن صدق قول الله : " والله على كل شيء قدير ".

١ رواه البخاري في التوحيد وبدء الخلق، ورواه مسلم في التوبة ورواه الترمذي في الدعوات وابن ماجه في المقدمة.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير