٤٧٨- قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم : مفهومه : تحريم طعام من لا كتاب له، وهم المجوس. ( نفسه : ٤/١٧٠ )
قوله تعالى : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان :
٤٧٩- الآية متأخرة في النزول عن قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ(١) فأبيحت الأمة الكتابية قياسا على الحرائر بجامع الشرف بالكتاب وتسوية بين المناكح والأطعمة. ( نفسه : ٤/٣٢٣ )
٤٨٠- المراد بالمحصنات هاهنا الحرائر(٢)، وهذا لا يناقض العموم الأول، لأن النكاح جائز بمجموع النصين(٣) في حالة الحرية، ويبقى في حالة الرق لا يقع فيها جواز النكاح. وإذا جاز نكاح كل مشركة في حالة الحرية وكونها من الكتاب، وهنا المجموع حالة خاصة، فقد جاز نكاحهن في مطلق الحالة لاستلزام الخاص العام، فالعموم باق على عمومه، ولم تحصل منافاة بين النصين.
نعم لو كان بعض المشركات لا يجوز نكاحه في جميع الأحوال حصل التناقض والتخصيص لمنافاة السابقة الكلية الموجبة الجزئية، بل الحاصل من هذه النصوص(٤)- كلها التي يتوهم أنها مخصصات- التقييد لتلك الحالة المطلقة، فإنها تصير مخصوصة معينة، والتقييد ليس بتخصيص :
* لأن التقييد زيادة على مدلول اللفظ. والتخصيص نقيض لمدلول اللفظ.
* والتخصيص أيضا مخالفة الظاهر. والتقييد ليس مخالفة الظاهر.
* فالتقييد ليس بتخصيص ضرورة. ( العقد المنظوم : ٢/٣٨٨ )
٤٨١- في الجواهر(٥) : " الكفار ثلاثة أصناف : الكتابيون، يحل نكاح نسائهم وضرب الجزية عليهم، وإن كرهه في الكتاب لسوء تربية الولد، ولأمر عمر رضي الله عنه الصحابة بمفارقة الكتابيات ففعلوا إلا حذيفة(٦) وقاله ابن حنبل، وأجازه الشافعي من غير كراهة(٧) لقوله تعالى : والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والمراد بالمحصنات هاهنا : الحرائر.
والزنادقة والمعطلة(٨) لا يناكحوا، ولا تؤخذ منهم الجزية. والمجوس لا يناكحوا، تؤخذ منهم الجزية لمفهوم الآية المتقدمة، ولقوله عليه السلام : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي أطعمتهم ولا ناكحي نسائهم " (٩). ( الذخيرة : ٤/٣٢٢ )
٤٨٢- تنبيه : لما تشرف أهل الكتاب بالكتاب ونسبتهم إلى المخاطبة من رب الأرباب أبيح نساؤهم وطعامهم، وفات غيرهم هذا الشرف بحرمانهم. وأما الأمة الكتابية فلا، لأن الله تعالى حرم الأمة المؤمنة إلا بشرطين صيانة للولد عن الرق، والأمة الكافرة تجمع بين الإرقاق وتلقين الكفر وتغذية الخمر والخنزير، فحرمت مطلقا. وقاله الشافعي ابن حنبل، وأجازها أبو حنيفة تسوية بين الحرائر والإماء، عكس المجوس. والفرق عندنا اجتماع المفسدتين. ( الذخيرة : ٤/٣٢٣ )
٢ - هذا التفسير مروي عن مجاهد أيضا. ن: تفسير ابن كثير: ٢/٣٢..
٣ - يقصد هذا النص مع الآية ٢٢٠ من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن..
٤ - قال الإمام القرافي: "استدل الأصحاب بوقوع تخصيص الكتاب بالكتاب على جوازه بقوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (البقرة: ٢٢٥). مع قوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (الطلاق: ٤). وبقوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات (البقرة: ٢٢٠). مع قوله تعالى: [والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب] (المائدة: ٦). ن: العقد المنظوم: ٢/٣٨٨..
٥ - الجواهر الثمينة: ٢/٥٣-٥٤ بتصرف..
٦ - هو حذيفة بن اليمان بن جابر بن عمرو. أبو عبد الله العبسي، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين. شهد حرب نهاوند وهمذان وغيرهما. (ت: ٣٦ هج). ن: أسد الغابة: ١/٤٦٨. ميزان الاعتدال: ٣/٤٣٠..
٧ - ن: بداية المجتهد: ٤/٢٩٠-٢٩١..
٨ - الزنادقة: فرقة مشبهة مبطلة. والزنديق هو الثنوي القائل بوجود إلهين اثنين. وهما اللذان يعبر عنهما بإله النور وإله الظلمة... ن: كشاف اصطلاحات الفنون: ١/٩١٣
أما المعطلة فهم ثلاثة أصناف: -منكرو الخالق والبعث والإعادة. ومنكرو البعث والإعادة. ومنكرو الرسل. ن: الملل والنحل: ٢/٥٨٢- ٥٨٣. وقد وردت تعاريف أخرى لهاتين الفرقتين. ن: التنبيه والرد على أهل الأهواء للملطي: ٩٥ إلى ٩٧..
٩ - رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما. كتاب النكاح، والبيهقي في "السنن الكبرى" عن الحسن بن محمد (ابن الحنفية) بن علي، مرسلا بسند ضعيف كما قال ابن حجر في "تلخيص الحبير": ٣/١٧٢..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي