ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ( ٥٦ ) .
ونلحظ أن الحق أوضح في الآية السابقة : إن الله هو الولي، وهنا تكون أنت أيها العبد المؤمن من الذين يتولاهم الله، تماما مثل قوله : يحبهم ويحبونه .
وحين يكون الله في معونتك فهو يعطيك من قدرته غير المحدودة فكيف تتولى أنت الله ؟ ويكون القول الحاسم في هذا الأمر هو قول الحق : إن تنصروا الله ينصركم ( من الآية ٧ سورة محمد ).
والحق في الآية التي نحن بصددها جاء بالمقابل لما جاء في الآية السابقة عليها فهو القائل من قبل : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا .
وفي هذه الآية يأتي بالمقابل فيقول سبحانه : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ( ٥٦ ) ( سورة المائدة ).
هذه المقابلة توضح لنا كيف ينصر الله العبد، وكيف ينتصر العبد لله. ولم يقل سبحانه في وصف من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا : إنهم الغالبون فقط، ولكنه أورد هذه الغلبة في معنى عام فقال : فإن حزب الله هم الغالبون .
وكلمة حزب معناها : جماعة التف بعضهم مع بعض على منهج يرون فيه الخير. ولا يمكن أن يجتمع قوم بقوة كل فرد فيهم بفكر كل فرد منهم إلا إذا كان هذا الأمر هو خيرا اجتمعوا عليه، إذن فحزب الله في أي وضع وفي أي تكوين ولاية غاية هو الحزب الغالب. وعلى المستوى الفردي نجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة )١.
فما معنى حزبه هنا ؟ معناها أمر أتعبه وأرهقه وفكر فيه كثيرا. وبذلك يعلمنا رسول الله ألا نقصر رؤيتنا على رأينا وحده، ولكن لنلجأ إلى الله. فنهزم الأمر الذي يحز بنا ولا نقدر عليه بأن نقيم مع الله حزبا بالصلاة.
إننا عندما نأخذ من سنة رسول الله المثل والقدوة ونعرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يحزبه أمر يتعلق بدنياه وإنما أمر يتعلق بمنهج الله وبالدين ؛ لذلك يذهب رسول الله إلى من يعطيه ويعطي أهل الإيمان كل الطاقة. إنه يذهب إلى الصلاة. ويعلن أن أسبابه قد انتهت ولم يعد يقوى على تحمل هذا الأمر الذي حزبه، ولأن الله لا يغلبه شيء ؛ لذلك فسبحانه يرفع الهم عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويغلب كل أمر صعب. وإن حزبنا هذا الأمر في نفوسنا فنسجد العجب.
إذن فحين تعز الأسباب على المؤمن في أمر ما ويكون قد أعطى كل جهده وما زال هذا الأمر يحزب المؤمن ويشتد عليه ويرهقه فعلى المؤمن أن يقوم إلى الصلاة، وييسر الحق هذا الأمر للمؤمن بالخير. والمؤمن عندما يحزبه أمر ما إنما يذهب بالصلاة إلى المسبب وهو الله، لكن على المسلم ألا يذهب إلى الله إلا بعد أن يستنفد كل الأسباب، فالأسباب إنما هي يد الله الممدودة، ولا يمكن للمؤمن أن يرفض يد الله ويطلب ذات الله، فإن انتهى الأخذ بالأسباب فليذهب إلى المسبب : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون ( ٦٢ ) ( سورة النمل ).
وسبحانه الذي يجيب المضطر وهو الذي يكشف السوء وهو الذي جعل البشر خلفاء في الأرض، وسبحانه لا شريك له في ملكه، وهو القائل : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ( ٦٥ ) ( سورة النمل ).
وإذا قال قائل : ولكني أدعو الله ولا يستجيب لي. ونقول : أنت لم تدع دعوة المضطر ؛ لأنك لم تستنفد الأسباب. وعليك أن تستنفد الأسباب كلها. فإن استنفدت الأسباب فالحق يجيبك ما دمت مضطرا.
إذن فحزب الله عندما يغلب إنما يعطينا قضية مكونة من ( إن المؤكدة واسمها وخبرها ) وهذه قضية قرآنية وهي تختلف على القضية الكونية التي تصف واقع الحياة. ويقول الحق :
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ( ٥٦ ) ( سورة المائدة ).
وسبحانه يعلم ما يكو ن في كونه، ولن تختلف قضية القرآن عن قضية واقع الكون. وساعة تجد قوما تجمعوا وفي صورتهم الرسمية الشكلية أنهم رجال الله، ولا يغلبون فعلينا أن نعرف أنهم خدعوا أنفسهم وخدعوا الناس بأنهم حزب الله وواقع الحال أنهم ليسوا كذلك ؛ لأنه سبحانه قال : إن جندنا لهم الغالبون ( ١٧٣ ) ( سورة الصافات ).
وهذه قضية قرآنية. ونأخذ الأمر دائما بسؤال : هل غلبت أم لم تغلب ؟ فإن كنت قد غلبت فإن جنديتك لله صادقة. وإن لم تكن فأنت تخدع نفسك بأنها جندية لله وهي ليست كذلك. ولنا المثل الواضح من حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان بين صحابته في موقعة أحد وأمر الرماة أن يقفوا موقفا خاصا، فلما وجد الرماة استهلال نصر المؤمنين على الكافرين، وأن الذين يحاربون أسفلهم يأخذون الغنائم، وذهبوا هم أيضا إلى الغنائم وخالفوا أمر الرسول حينما قال لهم :( إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم )٢.
فلما خالفوا أمر رسول الله أكانوا جنودا لله بحق ؟ لا، بل اختلت جنديتهم لله. ولم يمنع وجود رسول الله فيهم سنة الله الإيمانية في كونه ألا تقع، ولو ظلوا منتصرين على الرغم من أنهم خالفوا الرسول لهان أمر رسول الله في نظرهم ؛ لذلك أراد الحق أن يوقع بهم ألم الهزيمة المؤقتة من أجل أن يتأدبوا، وحتى يعضوا على أمر سيدهم وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنواجذ. وقد أورد الحق ذلك الأمر ورسول الله فيهم من أجل مصلحة الإسلام، فلو نصرهم على الرغم من مخالفتهم لرسول الله لجرأهم ذلك على أن يخالفوا.
٢ رواه ابن إسحاق في السيرة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي