ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

والثاني: أنهم لم يروا غير اللَّه خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحدًا خلقهم سوى اللَّه، كيف سموا دونه إلهًا ولم يخلق ما ذكرنا؟! إنما خلق ذلك اللَّه الذي لا إله غيره، وذلك قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي: يعلمون أنه لا إله إلا اللَّه، إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ): عما تقدم ذكره (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ... (٧٤) عن مقالتهم الشرك، فإن فعلوا فإن اللَّه غفور رحيم؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وباللَّه العصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ... (٧٥)
في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: إنه ابن مريم،

صفحة رقم 566

وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلهًا.
والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ).
قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة.
وقيل: (صِدِّيقَةٌ): تشبه النبيين، وذلك أن جبريل - عليه السلام - لما أتاها وقال: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) صدقته كتصديق الأنبياء والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، واللَّه أعلم.
وقيل: كل مؤمن صديق؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ): فيه الاحتجاج عليهم من وجهين:
أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربًّا إلها؟!.
والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ذلك لا يكون إلها، تعالى اللَّه عن ذلك علوَّا كبيرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ): والآيات ما ذكر من وجوه المحاجة عليهم:
أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها.

صفحة رقم 567

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية