ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

المعنى الجملي : بعد أن حاج سبحانه وتعالى أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإسلامي هزوا ولعبا، وأن اليهود منهم قالوا : يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال المسيح ابن الله، ومنهم من قال إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك وكر عليهم بالحجة إثر الحجة لتفنيد ما كانوا يعتقدون.
ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين ومحبتهم لهم ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع لهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا، سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه وقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا. وأنزل الله فيهم وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا : إنه خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا له : استأذن لأولياء الله، فقال : ائذن لهم فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي ؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه ؟ قالوا : يقول عبد الله ورسوله وكلمة من الله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم إنها العذراء الطيبة البتول، قال : فأخذ عودا من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ـ أي مثله في صغره ـ فكره المشركون قوله، وتغيرت له وجوههم، فقال : هل تقرؤون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم قال : فاقرؤوا، فقرؤوا، وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرؤوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، وهذا ما أشار إليه بقوله : ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق .
تفسير المفردات : تفيض من الدمع : أي تمتلئ دمعا حتى يتدفق من جوانبها لكثرته، مع الشاهدين : أي مع الذين يشهدون بحقية نبيك صلى الله عليه وسلم وكتابك.
الإيضاح : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق أي وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما أنزل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، ترى أعينهم تفيض من الدمع حتى يتدفق من جوانبها لكثرته من أجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القرآن الكريم، ولم يمنعهم ما يمنع غيرهم من عتو واستكبار.
ثم ذكر سبحانه ما يكون منهم من القول إثر بيان ما كان من حالهم فقال :
يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين أي يقولون هذه المقالة قاصدين بها إنشاء الإيمان والتضرع إلى الله والخضوع له بأن يتقبله منهم ويكتبهم مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس، لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم ومما يتناقلونه عن أسلافهم أن النبي الأخير الذي يكمل به الدين ويتم به التشريع العام يكون متبعوه شهداء على الناس ويكونون حجة على المشركين والمبطلين كما جاء في الآية الأخرى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [ البقرة : ١٤٣ ].
ثم زادوا كلامهم توكيدا فقالوا : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين .

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير