قلت : و مما عرفوا : سببية، و من الحق : بيان أو تبعيض.
وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ترى أعينهم تفيض من الدمع ؛ من البكاء، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، وإنما يفيض دمعها، وذلك مما عرفوا من الحق حين سمعوه، أو من بعض الحق، فما بالك لو عرفوا كله ؟ يقولون ربنا آمنا بذلك، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ فاكتبنا مع الشاهدين بأنه حق، أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم.
نزلت في النجاشي وأصحابه، حين دعوا جعفرًا وأصحابه، وأحضروا القسيسين والرهبان، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة مريم، فبكوا وآمنوا بالقرآن. وقيل : نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه، وفدوا من عنده من الحبشة بأمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم سورة يَس ، فبكوا وآمنوا، فصدر الآية عام، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين، من آمن، ومن لم يؤمن، وإنما جاء التخصيص في قوله : وإذا سمعوا ، فالضمير إنما يرجع إلى من آمن منهم، كالنجاشي وأصحابه. وإنما جاء الضمير عامًا ؛ لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد. انظر ابن عطية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي