يتألف هذا الجزء من بقية سورة المائدة - التي وردت أوائلها وسبق الحديث عنها في الجزء السادس - ومن أوائل سورة الأنعام إلى قوله تعالى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة... وسنرجى ء الحديث عن هذا الشطر الثاني من هذا الجزء إلى موضعه - حين نستعرض سورة الأنعام، ونمضي هنا في الحديث عن الشطر الأول المكون من بقية سورة المائدة.
لقد جاءت في التعريف بهذه السورة - في الجزء السادس - هذه العبارات :
" نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله [ ص ] لينشى ء به أمة ؛ وليقيم به دولة، ولينظم به مجتمعا ؛ وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليجدد به روابط ذلك المجتمع فيما بينه، وروابط تلك الدولة مع سائر الدول، وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم.. وليربط ذلك كله برباط قوي واحد، يجمع متفرقه ؛ ويؤلف أجزاءه ؛ ويشدها كلها إلى مصدر واحد، وإلى سلطان واحد، وإلى جهة واحدة.. وذلك هو " الدين " كما هو في حقيقته عند الله ؛ وكما عرفه المسلمون.. أيام أن كانوا " مسلمين " ! "
ومن ثم نجد في هذه السورة - كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها - موضوعات شتى ؛ الرابط بينها هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه : إنشاء أمة، وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع، على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد، الأصل فيه إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.
" وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم إلى جانب تعريف الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها، وحقيقة دورها، وطبيعة طريقها، وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين.. إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم، وروح الجماعة المسلمة وتربطها بربها.. إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ؛ والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها.. إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح، وألوانا من الأعمال والمسالك.. كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة، تمثل معنى " الدين " كما أراده الله، وكما فهمه المسلمون.. أيام أن كانوا " مسلمين ".
وعلى ضوء هذا التصوير العام لطبيعة السورة ومحتوياتها، نستطيع أن نمضي مع بقيتها في هذا الجزء. فنجدها تضم بقية من موضوعات السورة التي أشرنا إليها، والتي سبق بعضها في الجزء السادس.
نجد بقية عن المعسكرات المتعددة التي تواجه الأمة المسلمة في المدينة - ومن عجب أنها هي التي تواجه حركات البعث الإسلامي دائما - والعداء الذي تنطوي عليه صدورها ؛ مع التفاوت في مواقف بعض هذه المعسكرات ؛ وميل فئات منها للهدى كبعض فئات النصارى التي استجابت لدعوة الرسول [ ص ] ولانت قلوبها لما سمعت من الهدى، وفازت بثواب الله وجنات تجري من تحتها الأنهار.
ونجد بقية من الحديث عن حق التشريع بالحل والحرمة ؛ والنهي عن الاعتداء بالتحريم والتحليل بغير سلطان من الله ؛ وتذكير الذين آمنوا بتقوى الله في هذا الأمر الذي يتعلق به الإيمان والكفر بعد ما أعلنوا الإيمان.
يتلو ذلك بقية من الأحكام التشريعية في الأيمان، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والصيد في حالة الإحرام، وحرمة الكعبة والأشهر الحرم والهدي والقلائد.. مع التنبيه المتكرر إلى وجوب الالتزام والطاعة لما يشرعه الله - سبحانه - وما يأمر به نبيه [ ص ] والنهي والتحذير من المخالفة، والتهديد بالعذاب الأليم، والانتقام من الله، والتذكير بالله الذي إليه يحشرون.
ثم بقية في تربية الجماعة المسلمة. بتقرير القيم التي تتعامل بها، فلا تعجبها كثرة الخبيث ولكن يعجبها الطيب الزكي. وفي أدبها الواجب مع ربها ومع رسولها. فلا تسأله عما لم يبده ولا تطلب تفصيل ما أجمله.
ثم إبطال ما تبقى من تقاليد الجاهلية وشرائعها المتخلفة من شركها ووثنيتها، في بعض أنواع الأنعام والذبائح : كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة والحامي.. مع تقرير المصدر الوحيد الصحيح للتشريع في أمور الحياة كلها ؛ ورد الأمر في هذا إلى الله وحده، لا إلى عرف البشر واصطلاحهم.
ذلك مع تنبيه الأمة المسلمة إلى تميزها بذاتها، وتضامنها فيما بينها، وانفصالها عن سواها ؛ وتبعتها الخاصة، وبراءتها من تبعات أهل الضلال ؛ ورد أمر جزائها وجزاء غيرها إلى الله وحده في دار الجزاء.
وينتهي الحديث عن قضية التشريع كلها بحكم الإشهاد على الوصية في حالة السفر والبعد عن الحاضرة ؛ وتنطيم الإسلام لمثل هذه الأقضية في مجتمع يجاهد في سبيل الله، ويضرب في الأرض كذلك للتجارة ابتغاء فضل الله. مع ربط التشريع بمخافة الله في الدنيا والآخرة.
أما بقية السورة فتتضمن بقية في تصحيح عقيدة النصارى - من اهل الكتاب - ومن أجل هذا يعاد عرض طرف من قصة مريم وعيسى ؛ والمعجزات التي أجراها الله على يديه ؛ ومسألة المائدة التي طلبها الحواريون.. ثم تعرض قضية ألوهية عيسى وأمه ودعاوى النصارى فيها ؛ حيث يكذب عيسى - عليه السلام - أن يكون هو قد ادعاها، ويبرى ء نفسه من هذه الفرية أمام ربه في مشهد مرهوب من مشاهد القيامة ؛ ويدع أمر قومه لله ربه وربهم على ملأ من البشرية بأجمعها، والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم شهود..
وتختم السورة بتقرير ملكية الله للسماوات والأرض وما فيهن، وقدرته التي لا حدود لها ولا قيود : لله ملك السماوات والأرض وما فيهن، والله على كل شيء قدير..
ومن هذا الاستعراض السريع لبقية محتويات السورة، يتجلى التماسك في بنائها - حسب منهجها في تناول هذه المحتويات وهو المنهج الذي أشرنا إليه في مطالع السورة ونقلنا فقرات منه في مطلع هذا البيان الوجيز.
فنمضي الآن بالتفصيل مع السورة في مواجهة النصوص :
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد، ولا يدع الأمر مجهلا ومعمما على كل من قالوا : إنا نصارى.. إنما هو يمضي فيصور موقف هذه الفئة التي يعنيها :
( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا، فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين )..
فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا.. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرا عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه. والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير - وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدي ما لا يؤديه القول ؛ وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف.
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ؛ ولا يقفون موقفا سلبيا من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن ؛ والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان.. إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق ! إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابيا صريحا.. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذغان في لهجة قوية عميقة صريحة :
( يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ).
إنهم اولا يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه. ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ؛ وأن يسلكهم في سلك الامة القائمة عليه في الأرض.. الأمه المسلمه، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر.. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ؛ ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعة هذة الأمة ؛ ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها..
يتألف هذا الجزء من بقية سورة المائدة - التي وردت أوائلها وسبق الحديث عنها في الجزء السادس - ومن أوائل سورة الأنعام إلى قوله تعالى : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة... وسنرجى ء الحديث عن هذا الشطر الثاني من هذا الجزء إلى موضعه - حين نستعرض سورة الأنعام، ونمضي هنا في الحديث عن الشطر الأول المكون من بقية سورة المائدة.
لقد جاءت في التعريف بهذه السورة - في الجزء السادس - هذه العبارات :
" نزل هذا القرآن الكريم على قلب رسول الله [ ص ] لينشى ء به أمة ؛ وليقيم به دولة، ولينظم به مجتمعا ؛ وليربي به ضمائر وأخلاقا وعقولا ؛ وليجدد به روابط ذلك المجتمع فيما بينه، وروابط تلك الدولة مع سائر الدول، وعلاقات تلك الأمة بشتى الأمم.. وليربط ذلك كله برباط قوي واحد، يجمع متفرقه ؛ ويؤلف أجزاءه ؛ ويشدها كلها إلى مصدر واحد، وإلى سلطان واحد، وإلى جهة واحدة.. وذلك هو " الدين " كما هو في حقيقته عند الله ؛ وكما عرفه المسلمون.. أيام أن كانوا " مسلمين " ! "
ومن ثم نجد في هذه السورة - كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها - موضوعات شتى ؛ الرابط بينها هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه : إنشاء أمة، وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع، على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد، الأصل فيه إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه وحده بلا شريك.
" وكذلك نجد بناء التصور الاعتقادي وتوضيحه وتخليصه من أساطير الوثنية وانحرافات أهل الكتاب وتحريفاتهم إلى جانب تعريف الجماعة المسلمة بحقيقة ذاتها، وحقيقة دورها، وطبيعة طريقها، وما في هذا الطريق من مزالق وأشواك وشباك يرصدها لها أعداؤها وأعداء هذا الدين.. إلى جانب أحكام الشعائر التعبدية التي تطهر روح الفرد المسلم، وروح الجماعة المسلمة وتربطها بربها.. إلى جانب التشريعات الاجتماعية التي تنظم روابط مجتمعها ؛ والتشريعات الدولية التي تنظم علاقاتها بغيرها.. إلى جانب التشريعات التي تحلل وتحرم ألوانا من المآكل والمشارب والمناكح، وألوانا من الأعمال والمسالك.. كل ذلك حزمة واحدة في السورة الواحدة، تمثل معنى " الدين " كما أراده الله، وكما فهمه المسلمون.. أيام أن كانوا " مسلمين ".
وعلى ضوء هذا التصوير العام لطبيعة السورة ومحتوياتها، نستطيع أن نمضي مع بقيتها في هذا الجزء. فنجدها تضم بقية من موضوعات السورة التي أشرنا إليها، والتي سبق بعضها في الجزء السادس.
نجد بقية عن المعسكرات المتعددة التي تواجه الأمة المسلمة في المدينة - ومن عجب أنها هي التي تواجه حركات البعث الإسلامي دائما - والعداء الذي تنطوي عليه صدورها ؛ مع التفاوت في مواقف بعض هذه المعسكرات ؛ وميل فئات منها للهدى كبعض فئات النصارى التي استجابت لدعوة الرسول [ ص ] ولانت قلوبها لما سمعت من الهدى، وفازت بثواب الله وجنات تجري من تحتها الأنهار.
ونجد بقية من الحديث عن حق التشريع بالحل والحرمة ؛ والنهي عن الاعتداء بالتحريم والتحليل بغير سلطان من الله ؛ وتذكير الذين آمنوا بتقوى الله في هذا الأمر الذي يتعلق به الإيمان والكفر بعد ما أعلنوا الإيمان.
يتلو ذلك بقية من الأحكام التشريعية في الأيمان، والخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والصيد في حالة الإحرام، وحرمة الكعبة والأشهر الحرم والهدي والقلائد.. مع التنبيه المتكرر إلى وجوب الالتزام والطاعة لما يشرعه الله - سبحانه - وما يأمر به نبيه [ ص ] والنهي والتحذير من المخالفة، والتهديد بالعذاب الأليم، والانتقام من الله، والتذكير بالله الذي إليه يحشرون.
ثم بقية في تربية الجماعة المسلمة. بتقرير القيم التي تتعامل بها، فلا تعجبها كثرة الخبيث ولكن يعجبها الطيب الزكي. وفي أدبها الواجب مع ربها ومع رسولها. فلا تسأله عما لم يبده ولا تطلب تفصيل ما أجمله.
ثم إبطال ما تبقى من تقاليد الجاهلية وشرائعها المتخلفة من شركها ووثنيتها، في بعض أنواع الأنعام والذبائح : كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة والحامي.. مع تقرير المصدر الوحيد الصحيح للتشريع في أمور الحياة كلها ؛ ورد الأمر في هذا إلى الله وحده، لا إلى عرف البشر واصطلاحهم.
ذلك مع تنبيه الأمة المسلمة إلى تميزها بذاتها، وتضامنها فيما بينها، وانفصالها عن سواها ؛ وتبعتها الخاصة، وبراءتها من تبعات أهل الضلال ؛ ورد أمر جزائها وجزاء غيرها إلى الله وحده في دار الجزاء.
وينتهي الحديث عن قضية التشريع كلها بحكم الإشهاد على الوصية في حالة السفر والبعد عن الحاضرة ؛ وتنطيم الإسلام لمثل هذه الأقضية في مجتمع يجاهد في سبيل الله، ويضرب في الأرض كذلك للتجارة ابتغاء فضل الله. مع ربط التشريع بمخافة الله في الدنيا والآخرة.
أما بقية السورة فتتضمن بقية في تصحيح عقيدة النصارى - من اهل الكتاب - ومن أجل هذا يعاد عرض طرف من قصة مريم وعيسى ؛ والمعجزات التي أجراها الله على يديه ؛ ومسألة المائدة التي طلبها الحواريون.. ثم تعرض قضية ألوهية عيسى وأمه ودعاوى النصارى فيها ؛ حيث يكذب عيسى - عليه السلام - أن يكون هو قد ادعاها، ويبرى ء نفسه من هذه الفرية أمام ربه في مشهد مرهوب من مشاهد القيامة ؛ ويدع أمر قومه لله ربه وربهم على ملأ من البشرية بأجمعها، والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - كلهم شهود..
وتختم السورة بتقرير ملكية الله للسماوات والأرض وما فيهن، وقدرته التي لا حدود لها ولا قيود : لله ملك السماوات والأرض وما فيهن، والله على كل شيء قدير..
ومن هذا الاستعراض السريع لبقية محتويات السورة، يتجلى التماسك في بنائها - حسب منهجها في تناول هذه المحتويات وهو المنهج الذي أشرنا إليه في مطالع السورة ونقلنا فقرات منه في مطلع هذا البيان الوجيز.
فنمضي الآن بالتفصيل مع السورة في مواجهة النصوص :
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد، ولا يدع الأمر مجهلا ومعمما على كل من قالوا : إنا نصارى.. إنما هو يمضي فيصور موقف هذه الفئة التي يعنيها :
( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا، فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين )..
فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا.. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرا عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه. والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير - وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدي ما لا يؤديه القول ؛ وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف.
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ؛ ولا يقفون موقفا سلبيا من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن ؛ والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان.. إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق ! إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابيا صريحا.. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذغان في لهجة قوية عميقة صريحة :
( يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ).
إنهم اولا يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه. ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ؛ وأن يسلكهم في سلك الامة القائمة عليه في الأرض.. الأمه المسلمه، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر.. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ؛ ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعة هذة الأمة ؛ ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها..