(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
* * *
ذكر سبحانه وتعالى جزاء الذين استمروا على كفرهم في مقابل جزاء الذين آمنوا وطمعوا في رحمة الله تعالى، وأدركوا الحق فأذعنوا له، وكان جزاء الكافرين أنهم صاروا أصحاب الجحيم، أي الملازمين لها الذين لَا يفارقونها، والجحيم هي النار المتأججة التي لَا تنطفئ، وقد استحق ذلك العقاب بسببين:
أولهما - كفرهم وجحوددهم بالحقائق الثابتة التي جاءتهم والحي تدركها العقول السليمة، فهم قد استحقوه بكفرهم بها مع أن النفس السليمة تذعن لها من غير تردد، لأنها هي التي تتفق مع العقل والفطرة المستقيمة.
الثاني - أنهم كذبوا بآيات الله تعالى أي الأدلة والمعجزات التي ساقها رب العالمين لتأييد النبي المرسل الذي أرسل إليهم، فهم لم يؤمنوا بهذه المعجزات، ولم يصدقوها.
فكانوا حائرين بائرين، إذ لم يدركوا الحق في ذاته وهو متفق مع العقل المستقيم، ولم يتقبلوا الأدلة القاطعة التي سيقت إليهم للدلالة على الحق الذي لم يدركوه.
وهذان السببان هما اللذان من أجلهما كان العقاب، ولذلك عبر بالموصول الذي يدل على أن الصلة هي سبب الحكم، وعبر بالإشارة، وهي تدل على أن المشار إليه هو سبب الحكم.
وكلمة الذين كفروا تشمل من كانوا من أهل الكتاب ومن كانوا من غيرهم لأن السبب في ذلك الجزاء الأليم يتحقق في النوعين: إذ كلاهما كفر بالحق لما جاءه، وكلاهما كذب آيات الله تعالى التي ساقها للدلالة على رسالة الرسول، وحيث تحقق السبب تحقق المسبب لَا محالة، وهو العذاب الأليم الدائم.
هدانا الله إلى الحق، وإلى صراط الله العزيز الحميد.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
* * *
اعتبر القرآن الذين قالوا إنا نصارى أقرب مودة للذين آمنوا، وزاد أن السبب في ذلك أن فيهم قسيسين ورهبانا، وذكر في نص آخر أن فيهم رأفة ورهبانية ابتدعوها، والرهبانية تقتضي التقشف والحرمان من أكثر طيبات الحياة، والإسلام لم يأت بهذا، بل جاء شريعة وسطا بين المادية الشرسة العنيفة، والروحانية
المتخلصة من حاجات الجسم تخلصا، بل الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يقرر أن تعذيب الجسم من القربات، وقرر أن المشقات تحتمل إذا كان من الممكن الاستمرار عليها، ولذلك جاء النص الكريم بإباحة الطيبات بعد الإشارة إلى الرهبانية فقال:
صفحة رقم 2333زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة