كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود( ١٢ ) وعاد وفرعون وإخوان لوط( ١٣ ) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد( ١٤ ) [ ١٢-١٤ ].
الصلة بين الآيات وسابقاتها قائمة بضمير قبلهم المنصرف إلى المكذبين الذين حكت الآيات السابقة دهشتهم وعجبهم وتكذيبهم. وقد هدفت إلى تذكير هؤلاء بمصير أمثالهم من المكذبين السابقين وإنذارهم به. ولعل فيها قصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أيضا. فالتكذيب الذي يلقاه ليس بدعا. فقد لقيه الأنبياء الأولون قبله من أقوامهم أيضا. وقد استحق أولئك نكال الله وحق عليهم وعيده. وسيحق على هؤلاء وعيده ونكاله أيضا. وقد تكرر بيان هذا القصد أكثر من مرة، مثل ما جاء في آية سورة فاطر هذه وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور٤ ومثل ما جاء في آية سورة الأنعام هذه ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين٣٤ .
وقد جاءت إشارة إلى أقوام فرعون وعاد وثمود ونوح في السور السابقة، وعلقنا عليها بما اقتضى المقام، أما أقوام الرس والأيكة وتبّع فإنهم يذكرون هنا لأول مرة، وكذلك هي المرة الأولى الذي يذكر فيها قوم لوط بصراحة لأن ذكرهم سابقا كان باسم المؤتفكة في سورة النجم.
ولم ترد إشارة في موضع آخر من القرآن إلى أنبياء أرسلوا إلى أصحاب الرس وقوم تبّع مثل ما ورد من ذلك بشأن فرعون وعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط وأصحاب الأيكة، وكل ما هناك أن أصحاب الرس ذكروا بنفس التعبير في سورة الفرقان مرة أخرى دون تبع.
والرس : هي البئر المطوية بالخسف أو الردم، وقد تعددت أقوال المفسرين في أصحابها، منها : أنهم قوم في شمال جزيرة العرب أو اليمامة منه، وقيل : إنهم أصحاب الأخدود، وروح التسمية يلهم بأنهم كانوا من أقوام وقبائل جزيرة العرب، ويطلق اسم بلاد الرس اليوم، على ناحية في شمال الجزيرة، ولعلها تسمية ممتدة من القديم. ولقد روى المفسرون عن علماء الأخبار من التابعين فيما رووه في سياق هذه الآيات وآية سورة الفرقان [ ٣٨ ] عن أهل الرس : أنهم أهل قرية اسمها فلج في اليمامة، وأن اسم النبي الذي أرسله الله إليهم : حنظلة، وأنهم وثبوا عليه وقتلوه فأهلكهم الله ؛ حيث يفيد هذا أن أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته كانوا يتداولون قصصا حول أهل الرس. ويدعم كونهم من جزيرة العرب.
والأيكة هي الحرج١ وقد ذكر أصحاب الأيكة ثلاث مرات أخرى، مرتين بصيغة خاطفة مثل ما ذكروا هنا في سورتي ص والحجر، ومرة في سورة الشعراء مع اسم شعيب بصفته رسول الله الذي أرسل إلى أصحاب الأيكة، وقد ذكرت مدين مع اسم شعيب بنفس الصفة أيضا في سورتي الأعراف وهود. والوصف الذي وصفت به حالة أصحاب الأيكة في سورة الشعراء، والخطاب الذي حكى توجيهه إليهم من قبل شعيب وخاصة أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين [ الشعراء : ١٨١ ] وصفت به حال أهل مدين في سورتي الأعراف وهود، والخطاب الذي حكى فيهما توجيهه إليهم من قبل شعيب فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم [ الأعراف : ٨٥ ] و لا تنقصوا المكيال والميزان [ هود : ٨٤ ] بحيث يسوغ هذا القول : إن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب وأصحاب مدين.
واسم مدين مذكور في سفر الخروج وغيره من أسفار العهد القديم، ولا يزال هذا الاسم يطلق على خرائب أو بقايا مدينة في جهات العقبة في شرق الأردن، ويرجح المفسرون أن شعيبا هو الذي تزوج موسى ابنته على ما سوف نشرحه في سورة القصص.
وفي الإصحاح الثاني من سفر الخروج من أسفار العهد القديم اسم [ رعوئيل ] كاهن مدين، الذي تزوج موسى عليه السلام بإحدى بناته. وهذا ما حكاه الإصحاح نفسه، وحكته آيات في سورة القصص قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين٢٧ قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل٢٨ . وفي الإصحاح الثامن عشر من نفس السفر ورد اسم آخر لهذا الكاهن، وهو بترو حمو موسى. وفي الإصحاح العاشر من سفر العدد ورد هذا الاسم [ حوباب بن رعوئيل المديني حمي موسى ] والتقارب اللفظي بين حوباب وشعيب واضح فضلا عن ما هو ملموح من اللمحة العربية على الاسم. وقد يرد أن هذا هو اسم ابن الكاهن. ولعل هذا هو الذي كان النبي المرسل إلى قومه. وليس في آيات القصص ولا في آيات أخرى ما يفيد أن الذي تزوج موسى ابنته هو شعيب النبي. وليس في الأسفار ذكر لرسالة شعيب أو كاهن مدين لقومه. غير أن هذا لا يمنع أن يكون ذلك ورد في قراطيس ضاعت ؛ لأن المتداول اليوم من الأسفار ليس كل ما كان متداولا على ما سوف نشرحه في مناسبة قريبة آتية. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة حول رسالة شعيب لقومه معزوة إلى علماء التابعين. وردت في سياق قصته في السور الأخرى على ما سوف نشرحه بعد ؛ حيث يدل هذا على أن قصة رسالته مما كان متداولا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته. ومدين كانت في طريق قوافل أهل الحجاز إلى بلاد الشام ومصر. والراجح : أنهم كانوا يتداولون معارف قديمة عنها، ومن جملة ذلك رسالة شعيب. وما حل في مدين من العذاب الرباني مما ذكر في قصته في السور الأخرى.
وتبّع : لقب لملوك اليمن قبل البعثة النبوية، مثل : ألقاب كسرى وقيصر والنجاشي. وواضح أن المقصد من الجملة أهل اليمن الذين كانوا تحت حكم الملوك التبابعة. وهم غير قوم عاد الذين هم أقدم منهم. وهذا مؤيد بذكر القومين معا في آية واحدة. وفي كتب التفسير والتاريخ بيانات كثيرة عن الملوك التبابعة الذي استمر حكمهم إلى ما قبل عصر النبي صلى الله عليه وسلم بقليل معزوة إلى علماء التابعين، والذين كان منهم الذين اعتنقوا اليهودية واضطهدوا النصارى على ما شرحناه في سياق سورة الفيل، والذين كان في عهدهم سيل العرم الذي ذكر في آيات سورة سبأ هذه : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ١٦ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور١٧ . وقد قرئت على المنقوشات أخبار كثيرة عن المملكة السبئية والحميرية للمدة العائدة إلى ما قبيل الميلاد للمسيح، والممتدة إلى أواسط القرن السادس بعد الميلاد، وهي مملكة التبابعة التي عناها القرآن وعنتها الروايات العربية على الأرجح، والمتبادر أن أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتداولون أخبارهم في جملة ما يتداولون من أخبار جزيرة العرب الأخرى والأقطار المجاورة القديمة، ٢ وكان في أذهانهم بالنسبة إليهم صورة قوية فاقتضت حكمة التنزيل ذكرهم في جملة ما اقتضت ذكره في مقام العظة والإنذار.
والأسلوب الذي ذكر به الأقوام واضح الدلالة على أن الهدف هو الإنذار والتذكير، ولقد جاءت بعد الحملة على الكفار والتنديد بهم ولفت أنظارهم إلى مشاهد عظمة الله وقدرته، وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني.
ومما يحسن التنبيه إليه أن بلاد قسم من الأقوام الثمانية المذكورين في الآيات هي في جزيرة العرب، وهم : تبّع عاد وثمود وأصحاب الرس، وأن بلاد القسم الآخر متصلة بالجزيرة، وهم : قوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة وفرعون، ومتصلة من قريب أو بعيد ببلاد الحجاز مهبط وحي الله ومبعث نبيه المصطفى، ومنها ما هو على طريق قوافلها كبلاد ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة، ومنها ما تصل إليه قوافلها كاليمن ومصر، فالتذكير بهم تذكير بأمور معروفة سمعا ومشاهدة من قبل سامعي القرآن، وهو المتسق مع هدف القصص، كما أن فيه القرينة على عدم جهل السامعين لأخبارهم على ما نبهنا عليه آنفا.
التفسير الحديث
دروزة