يا أهل مكة من مثل عذاب الأمم الخالبة فلا تكذبوا رسول الله فان الاشتراك في العمل يوجب الاشتراك في الجزاء واعلم ان عموم أهل كل زمان الغالب عليهم الهوى والطبيعة الحيوانية فهم أهل الحس لا أهل العقل ونفوسهم متمردة بعيدة عن الحق قريبة الى الباطل كلما جاء إليهم رسول كذبوه وعلى ما جاء به قاتلوه فحق عليهم عذاب ربهم بما كفروا بأنعم الله فما أعياه إهلاكهم وفيه تسلية للأولياء ايضا من طريق الاشارة وتهديد لاهل الإنكار ولعمرى انهم في أيديهم كالانبياء في أيدي الكفار ولكن الصبر مفتاح الفرج فكما ان الكفار مسخوا وخسفوا وأخذوا بأنواع النكال فكذا أهل الإنكار مسخ الله بواطنهم وخسف بهم الأرض يعنى ارض البشرية الكثيفة الظلمانية وأخذوا بأصناف الخذلان وهم لا يدرون انهم كذلك بل يحسبون انهم ناجون من كل المهالك لزيادة عماهم وحيرتهم نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المصدقين ويثبتنا على طريق أهل اليقين ويفيض علينا من بركاتهم ويشرفنا بآثار حركاتهم أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ العي بالأمر العجز عنه يقال عى بالأمر وعيى به إذا لم يهتد لوجه عمله وقد مر في قوله ولم يعى بخلقهن والهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر ينبئ عنه العي من القصد والمباشرة كأنه قيل اقصدنا الخلق الاول وهو الإبداء فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الخلق الثاني وهو الاعادة وبالفارسية آيا ما عاجز شده ايم ورنج يافته بآفرينش أول خلق تا فرو مانيم از آفرينش ثانى وفي عين المعاني الخلق الاول آدم عليه السلام وهم يقرون به وفي التأويلات النجمية أفا عتاص علينا فعل شيء حتى نعيى بالبعث أو يشق علينا البعث اى ليس كذلك بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ يقال جددت الثوب إذا قطعته على وجه الإصلاح وثوب جديد أصله المقطوع ثم جعل لكل ما أحدث انشاؤه وخلق جديد اشارة الى النشأة الثانية وقوبل الجديد بالخلق لما كان المقصود بالجديد القريب العهد بالقطع من الثواب ومنه قيل لليل والنهار الجديد ان والأجدان كما في المفردات والجملة عطف على مقدر يدل عليه ما قبله كأنه قيل هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الاول بل هم في خلط وشبهة فى خلق مستأنف لما فيه من مخالفة العادة إذ لم تجر العادة بالاعادة في هذه الدار وهذا قياس فاسد كما لا يخفى (وقال الكاشفى) مشركان مكه معترف بودند بانكه حق تعالى مبدع خلق است در أول پس ميفرمايد كه كسى كه قادر بود بر آفرينش جمعى بي ماده ومددى چرا توانا توانا نبود بر اعاده ايشان بجمع مواد ورد حيات بآن وبي شبهه ما بر ان قوت داريم بلكه كافران در شك وشبه اند بسبب وساوس شيطانى از آفريدن نو يعنى بعث وحشر چهـ آنرا مخالف عادت مى بينند وتنكير خلق لتفخيم شأنه والاشعار بخروجه عن حدود العادات او الإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه ويهتم بمعرفته ولا يقعد على لبس واعلم ان هذا الخلق الجديد حاصل في الدنيا ايضا سوآء كان في الاعراض او في الأجسام وهو مذهب الصوفية ومذهب المتكلمين فانهم جوزوا انتفاء الأجسام في كل آن ومشاهدة بقائها بتجدد الأمثال اى الأجسام الاخر كما جوزوا انتفاء الاعراض في كل آن ومشاهدة بقائها بتجدد الأمثال اى الاعراض الاخر أي كما انه جائز في الاعراض التي هى غير قائمة بذواتها كذلك جائز في الجواهر
صفحة رقم 111بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همه فلاهم له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداءة وانما النهاية أن ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول كما في شرح الأسماء الحسنى للامام الغزالي رحمه الله إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ منصوب با ذكر وهو اولى لبقاء قوله ونحن إلخ على إطلاقه او بما في أقرب من معنى الفعل والتلقي الاخذ والتلقن بالحفظ والكتابة والمعنى انه لطيف يتوصل علمه الى ما لا شيء أخفى منه وهو أقرب الى الإنسان من كل قريب حين يتلقى ويتلقن ويأخذ الحفيظان اى الملكان الموكلان بالإنسان ما يتلفظ به وفيه اى على الوجه الثاني إيذان بأنه تعالى غنى عن استحفاظهما لاحاطة علمه بما يخفى عليهما وانما ذلك لما في كتبهما وحفظهما لاعمال العبد وعرض صحائفهما يوم يقوم الاشهاد وعلم العبد بذلك مع علمه بأحاطته تعالى بتفاصيل أحواله خبرا من زيادة اللطف له في الكف عن السيئات والرغبة في الحسنات وعنه عليه السلام ان مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجرى فيما لا يعينك لا تستحيى من الله ولا منهما وقد جوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب على معنى انا أقرب اليه مطلعون على اعماله لان حفظتنا وكتبتنا موكلون به عَنِ الْيَمِينِ هو أشرف الجوارح وفيه القوة التامة وَعَنِ الشِّمالِ هو مقابل اليمين قَعِيدٌ اى عن جانب اليمين قعيد أي مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى فحذف الاول لدلالة لا الثاني عليه وقيل يطلق الفعيل على الواحد والمعتدد كما في قوله والملائكة بعد ذلك ظهير ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ما يرمى به من فيه من خير او شر والقول أعم من الكلمة والكلام إِلَّا لَدَيْهِ مكر نزديك او رَقِيبٌ ملك يرقب قوله ذلك ويكتبه فان كان خيرا فهو صاحب اليمين بعينه والا فهو صاحب الشمال عَتِيدٌ اى معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير او الشر فهو حاضر أينما كان وبالفارسية رقيب نكهبانى وديده بانى بود عتيد آماده في الحال نويسد والافراد حيث لم يقل رقيبان عتيدان مع وقوفهما معا على ما صدر عنه لما ان كلا منهما رقيب لما فوض اليه لا لما فوض الى صاحبه كما ينبئ عنه قوله تعالى عتيد وتخصيص القول بالذكر لاثبات الحكم في الفعل بدلالة النص واختلف فيما يكتبانه فقيل يكتبان كل شيء حتى أنينه فى مرضه وقيل انما يكتبان ما فيه اجر ووزر وهو الأظهر كما ينبئ عنه قوله عليه السلام كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات امير أمين على كاتب السيئات فاذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح او يستغفر قيل ان الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه ولذاكره الكلام في الخلاء وعند قضاء الحاجة أشد كراهة لان الحفظة تتأذى بالحضور في ذلك الموضع الكريه لاجل كتابة الكلام فان سلم عليه في هذه الحالة قال الامام ابو حنيفة رحمه الله يرد السلام بقلبه لا بلسانه لئلا يلزم كتابة الملائكة
صفحة رقم 115فانهم لا يكتبون الأمور القلبية وكذا يحمد الله بقلبه عند العطاس في بيت الخلاء وكذا يكره الكلام عند الجماع وكذا الضحك في هذه الحالة فلا بد من حفظ اللسان وفي الحديث من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه
| ابلهى از صرفه زر ميكنى | صرفه كفتار كن ار ميكنى |
| مصلحت تست زبان زير كام | تيغ پسنديده بود در نيام |
الفريضة كما في الاحياء واطلاق الآية يدل على ان للكفار كتابا وحفظة فان قيل فالذى يكتب عن يمينه إذا اى شيء يكتب ولم يكن لهم حسنات يقال له الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب كما في بستان العارفين وفائدة حضور صاحب اليمين احتمال الايمان وهو اللائح بالبال وفي الحديث ان الله تبارك وتعالى وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله فاذا مات قال الملكان اللذان وكلا به يكتبان عمله قدمات فلان فتأذن لنا فنصعد الى السماء فيقول الله تعالى سمائى مملوءة من ملائكتى يسبحون فيقولان فأين فيقول قوما على قبر عبدى فكبرانى وهللانى واكتبا ذلك لعبدى الى يوم القيامة قال بعض الكبار من اهل البرزخ من يخلق الله تعالى من همتهم من يعمل في قبورهم بغالب أعمالهم في الدنيا ويكتب الله تعالى لعبده ثواب ذلك العمل الى آخر البرزخ كما وقع لثبات المنائى قدس سره فانهم وجدوا في قبره شخصا على صورته يصلى فظنوا انه هو وانما هو مخلوق من همته وكذلك المثالات المتخيلة في صور أهل البرازخ لاهل الدنيا في النوم واليقظة فاذا رؤى مثال أحدهم فهو اما ملك خلقه الله تعالى من همة ذلك الولي واما مثال اقامه الله تعالى على صورته لتنفيذ ما شاء الله من حوائج الناس وغيرها فأرواح الأولياء في البرزخ مالها خروج منه ابدا
واما أرواح الأنبياء عليهم السلام فانها مشرفة على وجود الدنيا والآخرة كما في كتاب الجواهر للشعرانى ومن ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه ضرب بعض الصحابة خبائه على قبر وهو لا يشعر أنه قبر فاذا فيه انسان يقرأ سورة الملك فأتى النبي عليه السلام فأخبره فقال عليه السلام هى المانعة هى المنجية تنجيه من عذاب القبر كما في حل الرموز يقول الفقير بعض الآثار يدل على ان بعض الأرواح يطوف في الأرض كالصديق والفاروق رضى الله عنهما كما أشار اليه قوله عليه السلام ان لى وزيرين في الأرض أبا بكر وعمر وايضا ان المهدى رضى الله عنه إذا خرج يستصحب اصحاب الكهف وروحانية شخصين من كمل هذه الامة وايضا قد اشتهر في الروايات خروج بعض الأرواح من القبور في بعض الأيام والليالى والشهور بأذن الملك الغفور الا أن يأول كل ذلك والعلم عند الله تعالى وفي التأويلات النجمية يشير ان من لم يعرف قدر قربى اليه ويكون بعيدا منى بخصاله الذميمة وفعاله الرديئة ولم ارض بأن أكون رقيبه او كل عليه رقيبين ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد يكتب بقلم حركاته ومدادنيته على صحيفة قلبه فان كانت حركاته شرعية ونيته صافية تجيئ كتابته نورانية وان كانت حركاته طبيعية حيوانية ونيته هوائية شهوانية تجيئ كتابته ظلمانية نفسانية فمن هنا تبيض وجوه وتسود وجوه وفيه ايضا اشارة الى كمال عنايته في حق عباده إذ جعل على كل واحد رقيبين من الملائكة المقربين ليحفظوه بالليل والنهار إذا كان قاعدا فواحد عن يمينه وواحد عن شماله وإذا نام فواحد عن رأسه وواحد عن قدمه وإذا كان ماشيا فواحد بين يديه واخر خلفه ويقال هما اثنان بالليل لكل واحد واثنان بالنهار ويقال بل الذي يكتب الخيرات كل يوم آخران والذي يكتب الشر والزلة كل يوم هو الذي كان بالأمس ليكثر شهود الطاعة غدا وتقل شهود المعصية ويقال بل الذي يكتب المعصية كل يوم اثنان آخران لئلا يعلم
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء