وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد١ ( ١٩ ) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد( ٢٠ ) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد( ٢١ ) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد٢ ( ٢٢ ) وقال قرينه٣ هذا ما لدي عتيد( ٢٣ ) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد( ٢٤ ) مناع للخير معتد مريب( ٢٥ ) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد( ٢٦ ) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد( ٢٧ ) قال لا تختصموا٤ لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد( ٢٨ ) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد( ٢٩ ) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد( ٣٠ ) [ ١٩-٣٠ ].
الآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو ظاهر. وفيها استطراد إلى حكاية ما سوف يواجهه المكذبون حين احتضارهم ثم حين بعثهم يوم القيامة من الحقائق التي كانوا يتهربون منها، أو يرتابون فيها بأسلوب قوي يتضمن التبكيت والتقريع، وبعض المشاهد المذكورة في الآيات مما هو مألوف للناس في الحياة ؛ حيث يتساوق هذا مع الحكمة الملموحة في وصف مشاهد الآخرة من مألوفات الحياة الدنيا على ما نبهنا عليه في تعليقات سابقة.
ولقد أورد المفسرون أقوالا معزوة إلى علماء التابعين بأن السائق المذكور في الآية [ ٢١ ] هو الملك الموكل بالإنسان، وأن الشهيد هو النبي أو عمل الإنسان أو جوارحه، وبأن القرين المذكور في الآية [ ٢٣ ] هو الملك وفي الآية [ ٢٥ ] هو الشيطان. وهذه الأقوال اجتهادية. ولا تخلو من وجاهة متسقة مع نصوص وروح الآيات هنا وفي مواضع أخرى.
ولقد أوردوا أحاديث في صدد الحوار الذي يجري بين الله تعالى وجهنم. منها حديث رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال١ :( يقال لجهنم : هل امتلأت وتقول : هل من مزيد ؟ فيضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول : قط قط ). وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا قال٢ :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : تحاجت الجنة والنار، فقالت النار : أوثرت بالمستكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار : أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فتقول : قط قط. فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا ).
ومع واجب الإيمان بما جاء في القرآن وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار المشاهد الأخروية يجب الإيمان أيضا بأنه لا بد لذلك من حكمة. ويتبادر من نصوص الآيات التي نحن في صددها والأحاديث التي أوردناها أن من هذه الحكمة قصد التبشير والترهيب لإثارة الغبطة في نفوس المؤمنين المخلصين وحملهم على الاستزادة من الأعمال الصالحة المرضية لله تعالى والخوف في قلوب الكفار والمشركين والمجرمين، وحملهم على الارعواء عن كفرهم وشركهم وإجرامهم والإنابة إلى الله وكسب رضائه.
والآية [ ٢٧ ] في إطلاقها وعمومها تتضمن تقبيح منع الخير والاعتداء عامة. وإنذار المتصف بهذه الأخلاق بسخط الله وغضبه بالإضافة إلى وصف الكفار بها في المشهد الأخروي وإعلان استحقاقهم النار بسببها. وفي ذلك تلقين مستمر المدى للسامعين عامة وللمسلمين خاصة.
ولقد سبق في سورة القلم تنديد بمنّاع الخير، وهنا يأتي هذا للمرة الثانية. وقد تكرر بأساليب متنوعة في أماكن أخرى أيضا ؛ حيث يبدو من ذلك تلقين مستمر المدى أيضا بما في منع الخير من جرم وإثم وبما يستحقه المنّاعون للخير من نكال وخزي ربانيين وبوجوب تجنب هذا الخلق والإقبال على فعل الخير الذي أمرت به، ونوّهت بفاعليه آيات عديدة، مثل آية سورة البقرة هذه : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير١٤٨ وآية سورة آل عمران هذه : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون١٠٤ وآية سورة الحج هذه : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون٧٧ وآيات سورة المؤمنون هذه : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون٦٠ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون٦١ وآية سورة فاطر هذه : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير٣٢ .
والنفخ في الصور هنا كالنقر بالناقور في سورة المدثر. وقد شرحنا مدى ذلك، وعلقنا عليه في سياق هذه السورة بما يغني عن التكرار.
والآية [ ٣٠ ] مع أنها تحكي ما يقال للمكذبين، فإنها تتضمن تقرير كون ما يلقاه الكفار المناعون للخير المعتدون الخبثاء إنما هو جزاء على ما اقترفوه من إثم حقا وعدلا. وبمعنى آخر : تقرير قابلية الإنسان لاختيار طريقه وعمله، واستحقاق الضال الآثم العقاب بسبب اختياره طريق الضلال والإثم، بعد أن بين الله عز وجل للناس الطريق وأوعد من حاد عنها كما ذكرته الآية التي قبلها، وفي هذا كذلك تلقين قرآني مستمر المدى كذلك.
تعليق على تعبير
وما أنا بظلام للعبيد
والآيتان [ ٢٩ و ٣٠ ] وبخاصة تعبير وما أنا بظلام للعبيد كانت موضوع تشاد بين أصحاب المذاهب الكلامية حيث استشهد بها وبأمثالها المعتزلة : على أن الجزاء الأخروي هو جزاء عدل على أعمال الناس ومكتسباتهم في الدنيا وحيث أولها وأمثالها الأشاعرة ليجعلوا ذلك الجزاء من حق الله المطلق١.
والمعنى الذي شرحناه آنفا، هو المتسق مع روح الآيات ومضمونها ومقام ورودها مع روح الآيات القرآنية عامة. مع التنبيه إلى أننا لا نرى التشاد حولها وحول أمثالها متسقا مع ما استهدفته الآيات من العظة والترهيب لإثارة هيبة الله وخوف المصير في قلوب الناس، وحملهم على الارعواء ولا متسقا مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها من السعي والنشاط ونتائجهما في الدنيا والآخرة ؛ مما نبهنا إليه أكثر من مرة في السور السابقة. ومما قاله الطبري في معنى الجملة :( ولا أنا بمعاقب أحدا من خلقي بجرم غيره، ولا حامل على أحد منهم ذنب غيره فمعذبه به ) حيث يفيد هذا أن الإمام أخذ الجملة على معناها القريب الصحيح. وقد جاراه في ذلك البغوي والخازن والطبرسي.
ولقد أورد القاسمي في سياق آية الأنفال هذه : ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد٥١ حديثا رواه مسلم عن أبي ذر يمكن أن يورد في مناسبة ورود التعبير المذكور لأول مرة في هذه السورة، وقد جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول : إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي : إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) حيث يتساوق الحديث مع روح الآيات وتأويل المفسرين.
تنبيه إلى مدى عقيدة الشرك عند العرب.
والآية [ ٢٨ ] تتضمن إشارة إلى ما كان عليه العرب من عقيدة الشرك وتبين ماهيتها، وهي الجمع بين الاعتراف بالله وإشراك غيره معه في العبادة والدعاء والاعتماد، أو بقصد الشفاعة لهم عنده كما جاء ذلك بصراحة في آيات أخرى أوردنا نصوصها في مناسبات سابقة. وقد قامت الرسالة النبوية على الدعوة إلى توحيد الله عز وجل واستحقاقه وحده للعبادة والاتجاه والاعتماد والدعاء وتسفيه إشراك غيره معه وتفنيده ومحاربته في كل ذلك وبأي أسلوب ومقصد كان. ولقد تكررت هذه المعاني في القرآن كثيرا بحيث يمكن أن يقال : إن هذه العقيدة كانت عقيدة العرب العامة على اختلاف منازلهم ومداركهم وتنوع الشركاء الذين كانوا يشركونهم في الاتجاه والعبادة والدعاء.
تعليق على ما حكته بعض الآيات من حوار
بين الله وبين قرناء الإنسان يوم الحساب
وفي الآيات حكاية حوار سوف يكون بين الله عز وجل وبين قرين الكافر المحصي عمله وقرينه الموسوس له. ولقد تكررت حكاية مثل هذا الحوار كثيرا بأساليب متنوعة في سورة عديدة كثيرة تغني عن التكرار.
ومع واجب الإيمان بالمشاهد الأخروية التي يخبر بها القرآن على اختلاف صورها، فإن من الحكمة الملموحة في ذلك، إثارة الخوف في الكفار والضالين والمجرمين وحملهم على الارعواء بإيذانهم بأن الذين وسوسوا لهم من قرنائهم وشياطينهم سيتنصلون منهم، وبأن الذين يرافقونهم من ملائكة الله قد أحصوا عليهم كل شيء وسوف يقدمونه لله تعالى لمحاسبتهم. وهذا المعنى بهذا القصد، ورد في آيات كثيرة منها، آية سورة إبراهيم هذه : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم٢٢ .
تعليق على تأويل روي عن مفسري الشيعة لجملة
ألقيا في جهنم كل كفار عنيد
وبرغم ما هو واضح من مدى هذه الجملة وسياقها، فإن مفسري الشيعة يؤولونها تأويلا متسقا مع هواهم حيث رووا عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله سئل عن هذه الجملة فقال :( أنا وعلي نلقي في جهنم كل من عادانا ) وهذا الحديث لم يرد في الكتب الخمسة، ولا في أي كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة، وهو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأييد الهوى الحزبي. وهم يصرفون بوجه عام كلمة الكفر والكفار والكافرين في كثير من الآيات إلى جاحدي إمامة علي وأولاده٢. ومن هنا جاء تأويلهم لكلمة الكفار في الجملة بأنهم أعداء علي أو الجاحدين بإمامته.
التفسير الحديث
دروزة