نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣١:قوله تعالى : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون هذا أيضاً من آداب المُضِيف، إذا بادر الضيف إلى الخروج قال له : ما هذه العَجَلَةُ ؟ وما شَأنُك ؟ لأن في سُكُوته ما يوهم باسْتِثْقَالهم١ ثم إنّهم٢ أتوا بما هو من أدب الصديق الذي لا يسر عن الصديق شيئاً، وكان ذلك بإذن الله لهم في إطلاع إبراهيم على إهلاكهم، وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق - عليه الصلاة والسلام -.
فإن قيل : فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولِمَ لا قال : مَا هَذَا٣ الاستعجال ؟ ومَا خَطْبكُم المعجل لكم ؟
فالجواب : أنه لما أوجسَ منهم خيفةً أو خرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئاً فلما أَنِسُوه قال : ما خَطْبُكُم أي بعد هذا الأُنس العظيم ما هذا الإيحاش الأليم٤ !
فصل
والخَطْب يُسْتَعْمل في الأمر العظيم، ولذلك قال : فَمَا خَطْبُكُم أي لعظمتكم لا ترسلون إلاَّ في أمر عظيم، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول : ما شُغْلكم الخَطِيرُ وأمركم العظيم للزم التطويل فالخَطْبُ أفاد التعظيم مع الإيجاز وعرف أنهم مرسلون بقولهم :«إِنَّا أُرْسِلْنَا » أو بقولهم لامرأته : كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ لحكايتهم قول الله تعالى.
وقالوا في سورة هود : إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ [ هود : ٧٠ ] وقالوا هنا : إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ، لأن الحكاية عن معنى قولهم.
ويحتمل أنهم قالوا الأمرين، ولما حكى لفظهم في السلام أتى في الموضعين بصفة واحدة٥.
والمُجْرم قال ابن عباس - ( رضي الله٦ عنهما - ) : هو المشرك، لأن الشرك أسرف الذنوب وأعظمها.
قال ابن الخطيب : المُجْرم هو الآتي بالذنب العظيم، لأن المجرم فيه دلالة على العظيم ومنه جُرْم الشيء لِعظَمِهِ ومقْدَاره٧.
٢ في ب وإنهم..
٣ كذا ذلك الأسلوب في النسختين وفي الرازي: ولو كان كما ذكرتم لقال: ما هذا الاستعجال.. الخ..
٤ الرازي ٢٨/٢١٥ و٢١٦..
٥ الرازي المرجع السابق..
٦ زيادة من "أ"..
٧ تفسيره ٢٨/٢١٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود