نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣١:الربع الأول من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن إبراهيم وضيوفه من الملائكة المكرمين، ويبين لنا كيف استفسر إبراهيم ضيوفه عن المهمة التي أرسلوا لإنجازها في هذه الرحلة المستعجلة، كما يعرض علينا كتاب الله فحوى الجواب الذي أجابوا به إبراهيم عن سؤاله : قال فما خطبكم أيها المرسلون( ٣١ ) ، أي ما شأنكم، وفيم جئتم أيها المبعوثون، قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين٣٢ ، والمراد " بالقوم المجرمين " هنا قوم لوط حسبما يؤخذ من قوله تعالى في آية أخرى عن قصة إبراهيم وضيوفه : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ( هود : ٧٦، ٧٥، ٧٤ ). ثم يكشف ضيوف إبراهيم لمضيفهم الكريم، كما في نفس هذه الآية، عن الغرض الأساسي من بعثهم وإرسالهم إلى قوم لوط، ألا وهو إنزال العقاب الإلهي بهم، بانتقاء نوع خاص من الحجارة وقع عليه الاختيار الإلهي، ورجمهم به من السماء، فيفعل بهم فعل الطاعون والوباء، وذلك قوله تعالى على لسان ضيوف إبراهيم : لنرسل عليهم حجارة من طين٣٣ مسومة عند ربك للمسرفين٣٤ .
غير أن الله جلت قدرته، ودقت حكمته، لم يجمع في عذابه بين " المسرفين " و " المؤمنين "، فيؤاخذ هؤلاء بجرم أولئك، بل نجى من العذاب لوطا ومن كان معه من المؤمنين، وذلك قوله تعالى : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ٣٥ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين٣٦ ، وقد نص كتاب الله في آية أخرى على أن امرأة لوط – واسمها " واغلة " فيما يرويه المؤرخون- لم تكن من بين الناجين، بل كانت من الهالكين، كما قال تعالى في سورة ( العنكبوت : ٣٢ ) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه إلا امرأته كانت من الغابرين .
ولا يستغربنّ أحد اهتمام إبراهيم الخليل بقصة قوم لوط، وحواره مع ضيوفه في شأن لوط وقومه، فعلاقة إبراهيم الخليل بلوط عليهما السلام علاقة وثيقة جدا، إذ إن لوطا هو ابن أخ إبراهيم، وكان إبراهيم الخليل يحبه حبا شديدا، واشترك معه في رحلته إلى الشام، إلى جانب امرأته " سارة " فاستقر إبراهيم بفلسطين، واستقر لوط بالأردن، وأرسله إلى أهل " سدوم " وما يليها، وكانوا كفارا يأتون من الفواحش ما لم يسبقهم به أحد من العالمين ؛ إذ استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فلما طال تماديهم في غيهم ولم ينزجروا دعا عليهم لوط عليه السلام : قال رب انصرني على القوم المفسدين ( العنكبوت : ٣٠ )، فأجاب الله دعاءه، وانتصر له بإهلاك مكذبيه، ودمر قرى قوم لوط، فأصبحت أثرا بعد عين، كما قال تعالى : جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك ( هود : ٨ ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري