ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

طَلَبِ فِعْلٍ مِنْهُمْ غَيْرَ التَّعْظِيمِ؟ نَقُولُ لَمَّا عَمَّمَ فِي الْمَطْلَبِ الْأَوَّلِ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ مِنْ رِزْقٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَأَشَارَ إِلَى التَّعْظِيمِ فَذَكَرَ الْإِطْعَامَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَفْعَالِ أن تستعين السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ فِي تَهْيِئَةِ أَمْرِ الطَّعَامِ، وَنَفْيُ الْأَدْنَى يَسْتَتْبِعُهُ نَفْيُ الْأَعْلَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَصَارَ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ عَيْنٍ وَلَا عَمَلٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَا تَنْحَصِرُ الْمَطَالِبُ فِيمَا ذكره، لأن السيد قد يشتري لعبد لَا لِطَلَبِ عَمَلٍ مِنْهُ وَلَا لِطَلَبِ رِزْقٍ ولا للتعظيم، بل تشتريه لِلتِّجَارَةِ وَالرِّبْحِ فِيهِ، نَقُولُ عُمُومُ قَوْلِهِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنِ اشْتَرَى عَبَدًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ رِزْقًا.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا أُرِيدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ يُفِيدُ النَّفْيَ فِي الْحَالِ، وَالتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ نَفْيَ مَا عَدَا الْمَذْكُورِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ مِنْهُمْ رِزْقًا لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ لا أريد منهم من رزق ولا أُرِيدُ؟ نَقُولُ مَا لِلنَّفْيِ فِي الْحَالِ، وَلَا لِلنَّفْيِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَالْقَائِلُ إِذَا قَالَ فُلَانٌ لَا يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ وَهُوَ فِي الْفِعْلِ لَا يَصْدُقُ، لَكِنَّهُ إِذَا تَرَكَ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْ قَوْلِهِ يَصْدُقُ الْقَائِلُ، وَلَوْ قَالَ مَا يَفْعَلُ لَمَا صَدَقَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الصُّورَةِ، مِثَالُهُ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ قَائِلٌ إِنَّهُ مَا يُصَلِّي فَانْظُرْ إِلَيْهِ فَإِذَا كَانَ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ وَقَدْ قَطَعَ صَلَاةَ نَفْسِهِ صَحَّ أَنْ يَقُولَ إِنَّكَ لَا تُصَلِّي، وَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ إِنَّهُ مَا يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمَا صَدَقَ، فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ لِلنَّافِيَةِ فِيهِ خُصُوصٌ لَكِنَّ النَّفْيَ فِي الْحَالِ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَالِ الدُّنْيَا وَالِاسْتِقْبَالُ هُوَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ فَالدُّنْيَا وَأُمُورُهَا كُلُّهَا حَالِيَّةٌ فَقَوْلُهُ مَا أُرِيدُ أَيْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ الَّتِي هِيَ سَاعَةُ الدُّنْيَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعَبْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ رِزْقٌ أَوْ عَمَلٌ فَكَانَ قَوْلُهُ مَا أُرِيدُ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ الْعَامِّ، وَلَوْ قَالَ لَا أُرِيدُ لما أفاد ذلك. ثم قال تعالى:
[سورة الذاريات (٥١) : آية ٥٨]
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)
تَعْلِيلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَقَوْلُهُ هُوَ الرَّزَّاقُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ الْعَمَلِ، لِأَنَّ مَنْ يَطْلُبُ رِزْقًا يَكُونُ فَقِيرًا مُحْتَاجًا وَمَنْ يَطْلُبُ عَمَلًا مِنْ غَيْرِهِ يَكُونُ عَاجِزًا لَا قُوَّةَ لَهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا أُرِيدَ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ فَإِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ وَلَا عَمَلَ فَإِنِّي قَوِيٌّ وَفِيهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: قَالَ: مَا أُرِيدُ وَلَمْ يَقُلْ إِنِّي رَزَّاقٌ بَلْ قَالَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنِ الْغَائِبِ إِنَّ اللَّهَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ نَقُولُ
قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ (إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ)
عَلَى مَا ذَكَرْتَ وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ فَفِيهَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ وَالرُّجُوعِ مِنَ التَّكَلُّمِ عَنِ النَّفْسِ إِلَى التَّكَلُّمِ عن الغائب، وفيه هاهنا فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَزَّاقًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِلَهَ بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ كَمَا ذَكَرْنَا مِرَارًا وَتَمَسَّكْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] أي معبوديك وإذ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودَ وَرَزَقَ الْعَبْدَ اسْتَعْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ الْكَسْبِ إِذْ رَزْقُهُ عَلَى السَّيِّدِ وهاهنا لما قال: ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَخْلَصَهُمْ لِنَفْسِهِ وَعِبَادَتِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ رِزْقُهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ بِلَفْظِ اللَّهِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِهِ رَزَّاقًا، وَلَوْ
قَالَ إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ
لَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ مَا ذَكَرْنَا الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قُلْ مُضْمَرًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ تَقْدِيرُهُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ فَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الْفُرْقَانِ: ٥٧] وَيَكُونُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يقل القوي، بل

صفحة رقم 195

قَالَ: ذُو الْقُوَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَقْرِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ إِرَادَةِ الرِّزْقِ وَعَدَمِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ، وَلَكِنْ فِي عَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ لَا يَكْفِي كَوْنُ الْمُسْتَغْنِي بِحَيْثُ يَرْزُقُ وَاحِدًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرْزُقُ وَلَدَهُ وَغَيْرَهُ وَيَسْتَرْزِقُ وَالْمَلِكُ يَرْزُقُ الْجُنْدَ وَيَسْتَرْزِقُ، فَإِذَا كَثُرَ مِنْهُ الرِّزْقُ قَلَّ مِنْهُ الطَّلَبُ، لِأَنَّ الْمُسْتَرْزِقَ مِمَّنْ يُكْثِرُ الرِّزْقَ لَا يُسْتَرْزَقُ مِنْ رِزْقِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ لَهُ إِلَّا بِالْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ الرِّزْقِ، فَقَالَ: الرَّزَّاقُ وَأَمَّا مَا يُغْنِي عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ فَدُونَ ذَلِكَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوِيَّ إِذَا كَانَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ يُعِينُ الْغَيْرَ فَإِذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَا يُعِينَ غَيْرَهُ وَلَا يَسْتَعِينُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ اسْتِعَانَةً مَا وَتَتَفَاوَتُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا قَالَ: وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ كَفَاهُ بَيَانُ نَفْسِ الْقُوَّةِ فَقَالَ: ذُو الْقُوَّةِ إِفَادَةُ مَعْنَى الْقُوَّةِ دُونَ الْقُوَى لِأَنَّ ذَا لَا يُقَالُ فِي الْوَصْفِ اللَّازِمِ الْبَيِّنِ فَيُقَالُ فِي الْآدَمِيِّ ذُو مَالٍ وَمُتَمَوِّلٌ وَذُو جَمَالٍ وَجَمِيلٌ وَذُو خُلُقٍ حَسَنٌ وَخَلِيقٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ لُزُومًا بَيِّنًا، وَلَا يُقَالُ فِي الثَّلَاثَةِ ذَاتُ فَرْدِيَّةٍ وَلَا فِي الْأَرْبَعَةِ ذَاتُ زَوْجِيَّةٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنَ الْأَفْعَالِ وَلِذَا لَمْ يُسْمَعُ ذُو الْوُجُودِ وَذُو الْحَيَاةِ وَلَا ذُو الْعِلْمِ وَيُقَالُ فِي الْإِنْسَانِ ذُو عِلْمٍ وَذُو حَيَاةٍ لِأَنَّهَا عَرَضٌ فِيهِ عَارِضٌ لَا لَازِمٌ بَيِّنٌ، وَفِي صِفَاتِ الْفِعْلِ يُقَالُ اللَّهُ تَعَالَى ذُو الْفَضْلِ كَثِيرًا وَذُو الْخَلْقِ قَلِيلًا لِأَنَّ ذَا كَذَا بِمَعْنَى صَاحِبِهِ وَرَبِّهِ وَالصُّحْبَةُ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا اللُّزُومُ فَضْلًا عَنِ اللُّزُومِ الْبَيِّنِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ هَذَا هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يُوسُفَ: ٧٦] فَجَعَلَ غَيْرَهُ ذَا عِلْمٍ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْفِعْلِ فَبَيْنَ ذِي الْعِلْمِ وَالْعَلِيمِ فَرْقٌ وَكَذَلِكَ بَيْنَ ذِي الْقُوَّةِ وَالْقَوِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [غَافِرٍ: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشُّورَى: ١٩] وَقَالَ تَعَالَى: لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كَانَ الْمُرَادُ بَيَانَ الْقِيَامِ بِالْأَفْعَالِ الْعَظِيمَةِ والمراد هاهنا عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ وَمَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْغَيْرِ يَكْفِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ قَدْرٌ مَا، وَمَنْ يَقُومُ مُسْتَبِدًّا/ بِالْفِعْلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ، لِأَنَّ عَدَمَ الْحَاجَةِ قَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الْفِعْلِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَلَوْ بَيَّنَ هَذَا الْبَحْثُ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ عَنِ الفرق بين قوله ذُو الْقُوَّةِ هاهنا وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَوِيٌّ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ لَكَانَ أحسن، فإن قيل فقد قال تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الْحَدِيدِ: ٢٥] وَفِيهِ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْمَعْنَى وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَوِيٌّ لِبَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى النُّصْرَةِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ لِيُثِيبَ النَّاصِرَ، لَكِنَّ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى النُّصْرَةِ يَكْفِي فِيهِ قُوَّةٌ مَا، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ اللَّهَ ذُو الْقُوَّةِ؟ نَقُولُ فِيهِ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُغْنِي رُسُلَهُ عَنِ الْحَاجَةِ وَلَا يَطْلُبُ نُصْرَتَهُمْ مِنْ خَلْقِهِ لِيُعْجِزَهُمْ وَإِنَّمَا يَطْلُبُهَا لِثَوَابِ النَّاصِرِينَ لَا لِاحْتِيَاجِ الْمُسْتَنْصِرِينَ وَإِلَّا فَاللَّهُ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِالنَّصْرِ حَيْثُ قَالَ: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصَّافَّاتِ: ١٧١، ١٧٢] وَلَمَّا ذَكَرَ الرُّسُلَ قَالَ قَوِيٌّ يَكُونُ ذَلِكَ تَقْوِيَةَ تَقَارُبِ رُسُلِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَسْلِيَةً لِصُدُورِهِمْ وَصُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: قَالَ: الْمَتِينُ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذُو الْقُوَّةِ كَمَا بَيَّنَّا لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى أَنَّ لَهُ قُوَّةً مَا فَزَادَ فِي الْوَصْفِ بَيَانًا وَهُوَ الَّذِي لَهُ ثَبَاتٌ لَا يَتَزَلْزَلُ وَهُوَ مَعَ الْمَتِينِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ لَفْظًا وَمَعْنًى فَإِنَّ مَتْنَ الشَّيْءِ هُوَ أَصْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِ ثَبَاتُهُ، وَالْمَتْنُ هُوَ الظَّهْرُ الَّذِي عَلَيْهِ أَسَاسُ الْبَدَنِ، وَالْمَتَانَةُ مَعَ الْقُوَّةِ كَالْعِزَّةِ مَعَ الْقُوَّةِ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِ ذِكْرِ الْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ فَقَالَ: قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الْحَدِيدِ: ٢٥] وقال الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [هود: ٦٦].
وَفِيهِ لَطِيفَةٌ تُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْبَحْثِ فِي الْقَوِيِّ وَذِي الْقُوَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَتِينَ هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَتَزَلْزَلُ

صفحة رقم 196

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية