في الآيات :
أولا : حكاية لما كان الكفار يقولونه عن النبي صلى الله عليه وسلم وردّ وتكذيب لهم وتثبيت وتطمين للنبي والخطاب موجه إليه، فعلى النبي أن يستمر في تذكيره ودعوته وأن لا يبالي بأقوالهم، فقد شملته نعمة الله وعنايته. وليس هو كما يقولون كاهنا ولا مجنونا، وإذا كانوا يتواصلون باستمرار مناوأته والإعراض عنه ويقولون : إنه شاعر ننتظر موته فنتخلص منه فليقل لهم على سبيل التحدي إنه هو أيضا متربص بهم منتظر أمر الله وحكمه فيهم وفي نفسه.
ثانيا : أسئلة استنكارية في صدد الكفار وأقوالهم وتحدّ لهم : فهل هم حقا يقولون ما يقولون بقناعة من عقولهم أم بدافع العناد والطغيان ؟ وهل يقولون جادين إن النبي هو الذي يخترع القرآن ؟ وإذا كانوا جادين صادقين فليأتوا بحديث مثله لأن الاختراع قدر مشترك بينهم وبينه.
ويلوح أن في الآيات توضيحا للآيتين فويل يومئذ للمكذبين ١١ الذين هم في خوض يلعبون وبذلك تكون الصلة قائمة بين الآيات والسياق السابق. وقد تضمنت أيضا تثبيتا وتطمينا للنبي صلى الله عليه وسلم. وآية أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون مع أسلوبها الاستفهامي تتضمن تقرير حقيقة أمرهم في مواقفهم ومزاعمهم وهي فقدان حسن النية والرغبة في الإيمان وتعمد الطغيان والعدوان والإنكار وليس شيئا ناشئا عن عقل وتدبر وتروّ.
ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن قريشا لما اجتمعت في الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم : إحبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك الشعراء من قبله فأنزل الله الآية أم يقولون شاهر نتربص به ريب المنون ويلحظ أن الآية منسجمة مع السياق بحيث يسوغ الترجيح أنها نزلت مع الآيات السابقة لها جملة واحدة، فإذا صحت الرواية ولا مانع من صحتها فتكون الآية قد أشارت إلى هذا القول بسبيل الرد عليه في سياق ما احتوته الآيات من ردود على أقوالهم الأخرى التي صدرت جميعها منهم قبل نزول الآيات.
وفي الآيتين [ ٣٣-٣٤ ] تكرار لحكاية قول الكفار بأن القرآن مخترع من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وتحد لهم تحديا ينطوي فيه رد وإفحام. ويلحظ أن التحديات السابقة تحدتهم بالإتيان بمثل القرآن ثم بعشر سور على ما مر في سور الإسراء ويونس وهود. وهنا تتحداهم بحديث ما، وأسلوب المرات السابقة وأسلوب هذه المرة متوازيان يتضمنان تقرير عجزهم وقوة الاستعلاء عليهم.
وتعبير بل لا يؤمنون تقرير لواقع أمرهم عند نزول الآيات وسبب مواقفهم. وليس على التأييد لأن كثيرا منهم أسلم وحسن إسلامه على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة.
التفسير الحديث
دروزة