المعنى الجملي : أقسم ربنا بخلق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتها إلا هو، وهي نجوم السماء التي تهدي الساري في الفلوات، وترشده إلى البعيد من المسافات – إن محمدا صاحبكم نبي حقا، وما ضل عن طريق الرشاد، ولا اتبع الباطل، ولا يتكلم إلا بوحي يوحيه الله إليه، ويعلمه إياه جبريل شديد القوى، ولقد رآه مرتين على صورته التي خلقه الله عليها بأجنحته وأوصافه الملكية : مرة بغار حراء في بدء النبوة، وأخرى ليلة المعراج حين عرج به إلى السماء، ورأى من عجائب صنع الله ما رأى، مما استطاع أن يخبركم به، ومما لم يستطع ذلك، فكيف بكم تجادلونه فيما أخبركم به، وتقولون طورا : إنه مجنون، وطورا آخر إنه كاهن، وطورا ثالثا إنه شاعر، وما كل هذا بالذي ينطبق على أوصافه، وهو صاحبكم وأنتم أعلم بحاله، فحق عليكم أن تسمعوا قوله، وأن تطيعوا أمره، فتفوزوا رضوان من ربه.
والخلاصة : إنه يجمع بين القوى النظرية والقوى الجسمية كما روي أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحيه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح بثمود فأصبحوا جاثمين.
وإنا لنؤمن بهذا على أنه من عالم الغيب ونكتفي بما جاء في كتابه تعالى ولا نزيد عليه.
وإن علماء الأرواح في أوروبا الآن أصبحوا يؤمنون بقوى عالم الروح وبما لها من خوارق العادات بالنظر إلى عالمنا. قال أوليفر لودج : إني أصبحت موقنا بأنا محوطون بعالم نحن بالنسبة إليه كالنمل بالنسبة لنا، وهم يساعدوننا ويحافظون علينا، ثم قال : وقفت على هذا بطريق علمي ( يريد تحضير الأرواح )ثم قال : فإذا ما قال القديسون إنهم رأوا الملائكة أو أنهم رأوا الله، فكل ذلك حق لا مرية فيه اهـ.
هذا ولا شك من عجائب القرآن، فإن ما جاء فيه مما يتعلق بعالم الأرواح أصبح علوما تدرس وتذاع بين الناس باعتبارها علوما روحية وكشفا حديثا، صدق ربنا سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( فصلت : ٥٣ ).
فالقوى الجسمية والعقلية للعالم الروحي ظهرت بطريق استحضار الأرواح والتنويم المغناطيسي، إذ فيه انخلاع للنفس عن البدن انخلاعا جزئيا أو كليا وهي مربوطة به ولها اتصال بالعوالم الروحية.
فاستوى*وهو بالأفق الأعلى*ثم دنا فتدلى*فكان قاب قوسين أو أدنى*فأوحى إلى عبده ما أوحى أي فاستقام جبريل على صورته التي خلقه الله عليها حين أحب رسوله صلى الله عليه وسلم أن يراه كذلك، فظهر له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس، فملأه ثم أخذ يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتدلى : أي يزيد في القرب والنزول حتى كان منه مقدار قوسين أو أقرب على تقديركم وعلى مقدار فهمكم، فأوحى إلى عبده ورسوله ما شاء أن يوحيه إليه من شؤون الدين. ولا غرو فإن ظهور الأرواح في صورة مرئية أصبح الآن معروفا، وقد قص علماء الروح عجائب وغرائب وأصبح في طوقهم أن يظهروا الروح في صور بشرية وصور نورية وتخاطبهم حين التنويم المغناطيسي، وإذا صح ذلك للعلة فليكن ذلك للقديسين والأنبياء بالأولى بطريق يشاكل مقامهم، ولا تتجلى الأرواح إلا بالمناسبة وبين المتجلي والمتجلى عليه، وظهوره في صورة مرئية يرجع إلى قوته وشدته، وقوله : فأوحى إلى عبده ما أوحى، يرجع إلى قوته العلمية.
ولما كان الإنسان كثيرا ما يظن أنه قد تخيل ما رآه ويكذب قلبه ما ظهر له، حتى قال علماء الأرواح : إنهم لما خاطبوا الأرواح قالت لهم، إنكم كثيرا ما يظهر لكم عجائب روحية فتظنونها من الوهم وتنسبونها إلى خداع الحواس – أعقب سبحانه هذا بما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بنفسه أن هذا تخيل ولا أنه وهم فقال :
تفسير المراغي
المراغي