قال البغوي يروي في الحديث رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى : ما زاغ البصر يعني ما مال البصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما أخطر في النظر بل أثبته إثباتا صحيحا وما طغى أي ما جاوز عن المحبوب إلى غيره.
من العشق وحالاته أحرق قلبي بحرارته
ما نظر العين إلى غيركم أقسم بالله وآياته.
قيل معناه ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها
في الصحيحين عن أنس ابن مالك عن مالك ابن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( بينما أنا في الحطيم مضطجعا إذا أتاني آت فشق بين هذه وهذه يعني من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد وفي رواية ( ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة ثم أتيت بداية دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا ؟ قال جبرائيل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل وقد أرسلت إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به فتعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فذكر نحو ما ذكر في السماء الدنيا وكذا ذكر كل السماء قال فلما خلصت إذا يحي وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحي وهذا عيسى فسلم فسلمت عليهما فردا ثم قالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح وذكر في السماء الثالثة يوسف وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى كل قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال عليه السلام :( فلما جاوزت بكى يعني موسى قيل له ما يبكيك ؟ قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فذكر الاستفتاح وغير ذلك نحو ما مر وذكر هناك إبراهيم قال جبرائيل هذا أبو ك إبراهيم فسلم عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجروا إذا ورقها مثل آذان الفيلة قاتل هذه سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران قلت ما هذا يا جبرائيل ؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع بي إلى البيت المعمور ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم فرجعت ومررت على موسى فقال بما أمرت ؟ قلت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرات فرجعت إلى موسى فقال مثله فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بما أمرت قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال عن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فأرجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك قلت سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم قال فلما جاوزت نادى منادي أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي )١ وروى مسلم عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار دون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء } وقال ابن جرير عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انتهينا إلى بيت المقدس قال جبرائيل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد به البراق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبرائيل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبرائيل اخترت الفطرة ثم عرج بنا إلى السماء ) وساق مثل معنى ما ذكر من الحديث ( قال فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير وقال في السماء الثالثة فإذا أنا بيوسف إذا هو أعطى شطر الحسن فرحب بي ودعا بي خير ولم يذكر بكاء موسى وقال في السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه وفي رواية قال جبرائيل هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لا يعودوا آخر ما عليهم ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشها من أمر الله ما غشى تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها وأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى قال ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال ارجع إلى ربك فسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فلذلك خمسون من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عمل بها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب له بشيء فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه. وفي الصحيحين عن ابن عباس عن أبي ذر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( فرج عني سقف بيتي وأنا بمكة فذكر شق الصدر نحو ما ذكر ولم يذكر البراق قال ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جئت إلى السماء الدنيا فقال جبرائيل الخازن السماء افتح فذكر نحوه، فلما فتح علوانا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت لجبرائيل من هذا قال هذا لآدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والاسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه قال وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السادسة، قال ابن شهاب فأخبرني ابن جزم أن ابن عباس وأبا حية الأنصاري كانا يقولان قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وقال ابن جزم وأنس ففرض الله على أمتي خمسين فرجعت بذلك حتى مررت على موسى قال ما فرض الله لك قلت خمسين صلاة قال فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق فراجعه فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فقلت وضع الله شطرها فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا يطيق فراجعته فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي فرجعت إلى موسى فقال راجع ربك، فقلت استحييت من ربي فانطلق بي حتى انتهى بي إلى السدرة وغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذا اللؤلؤ وإذا ترابها المسك، وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى البراق ليلة أسري به مسرجا ملجما فأصعب عليه فقال جبرائيل : أبمحمد تفعل هذا فما ركبك أحد أكرم على الله منه فارفض عرقا، وروى مسلم عن ابن مسعود قال لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى السدرة المنتهي وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج بها من الأرض فيفيض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، وذكر البغوي أنه قال هلال ابن يسار سأل ابن عباس كعبا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال إنها سدرة في أصل العرش وإليها ينتهي علم الخلائق وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله قلت ومعنى قوله إليها ينتهي علم الخلائق يعني أن بعض المخلوقات يعني الملائكة يحضرون إلى سدرة المنتهى ولا يتجاوزها أحد من الخلائق فما ورائها غيب من كل وجه وأما سدرة المنتهى فهي وإن كان غيبا بالنسبة إلى البشر فليس يغيب بالنسبة إلى بعض الملائكة وروى البغوي بسنده عن أسماء بنت أبي بكر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى قال :( يسير الراكب في ظل الغصن مائة عام ويستظل في الغصن منها مائة ألف راكب فيها فراش من ذهب كأن ثمرها القلال ) وقال مقاتل هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار وجميع الألوان لو أن ورقة منها وضعت في الأرض أضاءت لأهل الأرض وهي طوبي التي ذكرها الله في سورة الرعد.
مسألة.
أجمع المؤمنون من أهل السنة والجماعة أن معراجه صلى الله عليه وسلم في اليقظة حق فقيل مسراه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى الأقصى قطع ثابت بقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده الآية فيكفر جاحده وأما معراجه إلى السماء السابعة وما فوقها فثبت بأحاديث صحاح فينسق جاحده ولا يكفر والصحيح أن معراجه صلى الله عليه وسلم إلى السدرة المنتهى قطع ثابت بهذه الآية يكفر جاحده. فإن قيل ما رواه الشيخان في الصحيحين عن شريك ابن عبد الله قال سمعت أني ابن مالك يقول ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحي إليه وهو نائم في المسجد الحرام وساق حديث المعراج بقصته قال فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان قال هذا النيل والفرات ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عله قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أزفر قال ما هذا يا جبرائيل ؟ قال هذا الكوثر الذي هيأ لك ربك وساق الحديث وقال ثم عرج بي على السماء السابعة وقال : قال موسى رب لم أظن أن يرفع على أحد ثم علا به بما جلا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان مكنه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه ما أوحى الله خمسين صلاة كل يوم وليلة قال فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم أجبته موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى هذا فضعفوا عنه وتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبرائيل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبرائيل فرفعه عند الخامسة فقال يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وإسماعهم وأبصارهم فخفف عنا فقال الجبار يا محمد فقال لبيك وسعديك قال لأنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك، فقال موسى ارجع إلى ربك فسأله فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد والله استحييت من ربي مما اختلف إليه قال فاهبط باسم الله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام٢ هذا لفظ البخاري ورواه مسلم مختصرا يدل على كون المعراج في المنام ؟ قلنا : طعن بعض أهل الحديث على هذا الحديث وقالوا وجدنا لمحمد ابن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا وهذا وأحال الآفة فيه إلى شريك ابن عبد الله وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحي إليه واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثني عشر سنة قبل الهجرة بسنة، وقال بعض أهل الحديث إن هذا كان رؤيا في المنام أراه عز وجل قبل الوحي وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ٣ والله تعالى أعلم
التفسير المظهري
المظهري