ﭛﭜﭝﭞ

( ٦ ) الهوى : الرأي الذي لا يستند فيه صاحبه إلى الحق ويصدر فيه عن غاية خاصة وعاطفة وأنانية.
والنجم١ إذا هوى٢ ( ١ )ما ضل٣ صاحبكم٤ وما غوى٥ ( ٢ ) وما ينطق عن الهوى٦ ( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى٧ ( ٤ ) علمه٨ شديد القوى( ٥ )ذو مرة فاستوى١٠ ( ٦ ) وهو بالأفق الأعلى١١ ( ٧ ) ثم دنا فتدلى١٢ ( ٨ ) فكان قاب قوسين١٣ أو أدنى( ٩ ) فأوحى إلى عبده ما أوحى١٤ ( ١٠ ) ما كذب الفؤاد١٥ ما رأى ( ١١ ) أفتمارونه١٦ على ما يرى( ١٢ ) [ ١-١٢ ].
في الآيات قسم رباني في معرض التوكيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهل ولم ينحرف عن الحق والصدق، ولم ينطق بما نطق ولم يبلغ ما بلغ كذبا وشفاء لهوى النفس وخيلائها، وبأن ما أخبر به هو وحي أوحي إليه، وقد أبلغه إياه رسول رباني قوي صادق، وقد رآه في أفق السماء وقد اقترب منه إلى مسافة قريبة جدا، ومن المكابرة أن تجادلوه فيما رآه وعاينه.
وواضح من هذا أن الآيات بسبيل وصف مشهد شهده النبي صلى الله عليه وسلم وتوكيد صدق ما أخبر به من ذلك.
ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا عن الشيباني قال :( سألت زرا عن قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى٩ فأوحى إلى عبده ما أوحى١٠ ما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ٩-١١ ] فقال : أخبرنا عبد الله أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح )١. وروى البخاري حديثا عن مسروق جاء فيه :( قال مسروق لعائشة أين قوله تعالى : ثم دنا فتدلى٨ فكان قاب قوسين أو أدنى النجم [ ٨-٩ ] قالت : ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وأتاه هذه المرة في صورة الأصلية فسد الأفق )٢.
وأكثر المفسرين٣ يرجحون أن المشهد هو مشهد جبريل عليه السلام الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، وهو الأوجه فيما هو المتبادر.
ولقد ورد في سورة التكوير آيات فيها بعض ما في هذه الآيات من وصف لملك الله ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم له بالأفق وتوكيد ذلك وهي : إنه لقول رسول كريم١٩ ذي قوة عند ذي العرش مكين٢٠ مطاع ثم أمين٢١ وما صاحبكم بمجنون٢٢ ولقد رآه بالأفق المبين٢٣ التكوير [ ١٩-٢٣ ]، فمن الجائز أن تكون آيات النجم التي نحن في صددها بسبيل توكيد صحة ما أخبر به سابقا حيث ظل الكفار يكذبون ويمارون.
ولقد احتوت الآيات التالية لهذه الآيات إشارة إلى مشهد ثان مماثل رآه النبي صلى الله عليه وسلم والضمير فيه معطوف على الأول. فمن الجائز كذلك أن تكون الآيات التي احتوت توكيدا للمشهد الذي حكته آيات سورة التكوير قد جاءت كتمهيد توكيدي واستشهادي للمشهد الثاني الذي حكته الآيات التالية لها.
وتعبير وما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ١١ ] قد يفيد كون المشهد الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم روحاني خاص به شهده بقوة البصيرة التي اختصه الله بها من دون الناس العاديين، على ما هو المتبادر من السياق. والآية التالية لهذه الآية تدعم هذا ؛ حيث استنكرت المراء في أمر خاص بالشعور والإدراك النبوي الذي لا يجوز أن يكون موضع مراء ؛ كأنما أرادت الآية أن تقول : إن المراد إنما يصح أن يكون فيما يمكن أن يكون قدرا مشتركا بين الناس يستطيع جميعهم أن يروه ويحسوا به ويدركوه بحاسة من حواسهم. فإذا ادعى أحدهم أنه رآه وأحس به وأدركه كان لغيره أن يماري في ذلك إذا لم يره هو ويحس به ويدركه.
ويمكن أن يضرب المثل للتوضيح برؤية الكسوف والرؤيا النومية. فلا يستطيع أحدا مثلا أن يدعي أنه رأى كسوف الشمس دون سائر الناس ؛ لأنه مشهد عام يتساوى الناس في رؤيته. وذلك على عكس الرؤيا لأنها خاصة بالشخص الذي رآها، ولا تتحمل دعوى رؤياها أي جدل أو مكابرة أو مراء.
وقد قصدنا بهذا الشرح المستلهم من الآيات توضيح ما يكون بين الله وبين أنبيائه من اتصال خاص بهم على اختلاف صوره التي ذكرتها آية سورة الشورى هذه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم [ ٥١ ]٤ يدركونه ويشعرون به بما اختصهم الله به من قوة لا يمكن إدراكها بالعقل العادي، ويجب الإيمان بها لأن ذلك مما يستتبعه الإيمان بالله وأنبيائه، والمشهد الذي وصفته وأكدته الآيات مظهر من مظاهر هذا الاتصال ويجب الإيمان بصحته لأن القرآن والنبي قد أخبرا به.
تعليق على مدى متناول آيات :
وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
والعصمة النبوية
وقد ذهب بعض المفسرين١ إلى أن آيتي : وما ينطق عن الهوى٣ إن هو إلا وحي يوحى النجم [ ٣-٤ ] تشملان كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو عمل ديني ودنيوي وقرآني وغير قرآني، وجعلوهما في عداد الدلائل على العصمة النبوية. والذي نلحظه من روح الآيات وسياقها : أن الآيتين في صدد توكيد صحة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من اتصال وحي الله به ورؤيته الملك وما ألقاه عليه من آيات القرآن. وفي الاستدلال بها على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما صدر عنه من قول وعمل دنيوي وغير قرآني واعتباره وحيا ربانيا تجوز كبير يتعارض مع وقائع ونصوص قرآنية كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في أمر فيصدر عنه فيه قول أو فعل فينزل قرآن معاتبا ومنبها حينا ومذكرا حينا بما هو الأولى مثل حادث استغفاره مع المؤمنين لذوي قرباهم من موتى المشركين الذي أشارت إليه آيات سورة التوبة هذه منبهة : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم١١٣ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم١١٤ ٢ ومثل حادث أسرى بدر الذي أشارت إليه آيات سورة الأنفال هذه : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم٦٧ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم٦٨ ومثل حادث حلفه على عدم قرب زوجاته التي أشارت إليه آية سورة التحريم هذه : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم١ ومثل حادث الأعمى الذي أشارت إليه آيات سورة عبس هذه : عبس وتولى١ أن جاءه الأعمى٢ وما يدركك لعله يزكى٣ أو يذكر فتنفعه الذكرى٤ أما من استغنى٥ فأنت له تصدى٦ وما عليك ألا يزكى٧ وأما من جاءك يسعى٨ وهو يخشى٩ فأنت عنه تلهى١٠ ٣.
ونريد أن ننبه على نقطة هامة، فنحن لا نعني بما نقرره ألا يكون النبي صلى الله عليه وسلم في كثير مما قاله أو فعله أو أمر به أو نهى عنه مما لم ينزل فيه قرآن ناقض أو معدل أو معاتب ملهما به من الله عز وجل. ففي القرآن دلائل عديدة على أن كثيرا مما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن قد وقع بإلهام رباني. وأن القرآن نزل بعد وقوعه مؤيدا له فيه، ومن الأمثلة على ذلك سيره إلى مكة لأجل العمرة مع أصحابه بناء على رؤيا رآها وانتهاء ذلك بصلح الحديبية. فقد كان ذلك بإلهام رباني، ثم نزلت سورة الفتح مؤيدة له. ومن ذلك أيضا واقعة بدر، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بإلهام رباني مع أصحابه للاستيلاء على قافلة قريش وأدى ذلك إلى الاشتباك مع جيش قريش الذي انتصر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انتصارهم العظيم. وقد نزلت بعد ذلك سورة الأنفال مؤيدة له٤. وإلى هذا فإن جميع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من سنن قولية وفعلية وأوامر ونواه مات عليها دون أن ينقضها هو أو القرآن هو تشريع واجب الاتباع بنص القرآن على ما جاء في آية سورة الحشر هذه : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ ٧ ] ومن المحتمل أن يكون بإلهام رباني. وإنما الذي نعنيه التوقف في تشميل مفهوم الآيتين لكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل وقول طيلة حياته إطلاقا حسب ما شرحناه آنفا.
وهذا لا يمس العصمة النبوية التي يجب الإيمان بها لا على ذلك المعنى الذي يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع عليه أن يصدر منه أي قول أو فعل أو اجتهاد في مختلف شؤون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب وخلاف الأولى الذي في علم الله، والذي لا ينكشف له إلا بوحي، مما لا يمكن أن ينتفي عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة في القرآن، وإنما على المعنى الذي يرتفع به النبي صلى الله عليه وسلم إلى العصمة عن أي إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن فعلا وقولا، وعن كتم أي شيء أوحي به إليه أو تحريفه وتبديله وذلك نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق في الله الذي جعله أهلا للاصطفاء الرباني٥.

١ - انظر تفسير الآيات في تفسير الطبرسي والنيسابوري والخازن مثلا..
٢ - في الآية الثانية ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين اجتهدوا فقاسوا بما فعله إبراهيم عليه السلام فبين الله فيها الفرق ووجه الحق في ذلك..
٣ - هناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها..
٤ - وهناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها أيضا..
٥ - انظر كتابنا القرآن المجيد ص ٢٨٨ -٢٩٤..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير