قال ابن عطية : الجمهور أنّ قوله : وأن ليس للإِنسان إِلا ما سعى مُحْكَمٌ لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصّص. ه يعني : أن المراد : الكافر، وهكذا استقرئ من لفظ " الإنسان " في القرآن، وأما المؤمن فجاءت نصوص تقتضي انتفاعه بعمل غيره، إذا وهب له من صدقة ودعاء وشفاعة واستغفار، ونحو ذلك، وإلاَّ لم يكن فائدة لمشروعية ذلك، فيتصور التخصيص في لفظ " الإنسان " : وفي السعي، بأن يخص الإنسان بالكافر، أو السعي بالصلاة، ونحو ذلك مما لا يقبل النيابة مثلاً. والحاصل : أن الإيمان سعي يستتبع الانتفاع بسعي الغير، بخلاف من ليس له الإيمان. ه قاله الفاسي : وكان عز الدين يحتج بهذه الآية في عدم وصول ثواب القراءة للميت، فلما مات رؤي في النوم، فقال : وجدنا الأمر خلاف ذلك.
قلت : أما في الأجور فيحصل الانتفاع بسعي الغير، إن نواه له، وأما في رفع الستور، وكشف الحجب، والترقي إلى مقام المقربين، فالآية صريحة فيه، لا تخصيص فيها ؛ إذ ليس للإنسان من حلاوة المشاهدة والقُرب إلا بقدر ما سعى من المجاهدة. والله تعالى أعلم.
ثم قال : وأنَّ سَعْيَه سوف يُرى أي : يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة في صحيفته وميزانه.
وقسَّم القشيري السعي على أربعة أقسام : الأول : السعي في تزكية النفس وتطهيرها، ونتيجته : النهوض للعمل الصالح، الذي يستوجب صاحبه نعيمَ الجنان. الثاني : السعي في تصفية القلب من صَداء ظلمات البشرية، وغطاء عورات الطبيعية، ونتيجته : صحته من الأمراض القلبية، كحب الدنيا والرئاسة والحسد، وغير ذلك، ليتهيأ لدخول الواردات الإلهية. الثالث : السعي في تزكية الروح، بمنعها من طلب الحظوظ الروحانية، كطلب الكرامات، والوقوف مع المقامات، وحلاوة المعاملات، لتتهيأ بذلك للاستشراف على مقام المشاهدات، وحمل أعباء أسرار الذات. الرابع : السعي في تزكية السر بتحليته بالصفات الإلهية، والأخلاق الربانية ليتحقق بمقام الفناء والبقاء، وهو منتهى السعي وكماله. هـ. بالمعنى.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي