الذاتية والمشاهدات الحقانية واثر هذا السعى ونتيجته هو الفناء عن انانيته والبقاء بهويته الاحدية المطلقة عن التقييد والإطلاق واللاتقييد واللاإطلاق وقال الواسطي في الآية انه لم يكن مما يستجلب به شيء من الثواب وقال سهل سوف يرى سعيه فيعلم انه لا يصلح للحق ويعلم ما الذي يستحق بسعيه وانه لو لم يلحقه فضل ربه لهلك بسعيه ثُمَّ يُجْزاهُ اى يجزى الإنسان بسعيه اى جزاء عمله يقال جزاء الله بعمله وجزاه على عمله بحذف الجار وإيصال الفعل الْجَزاءَ الْأَوْفى اى الأوفر الأتم ان خيرا فحير وان شرا فشر وهو مفعول مطلق مبين للنوع قال الوراق وان ليس للانسان الا ما سعى ذلك في بدايته وان سعيه سوف يرى ذلك في توسط أمروه ثم يجزاه الجزاء الا وفي ذلك في نهاياته وله نهايتان باعتبار الفناء والبقاء ففى الفناء يحصل الجزاء الذي هو الشهود وفي البقاء يحصل الجزاء الذي هو تربية الجسد والوجود وذلك باستيفاء ما ترك في بداية سلوكه من المباحات المشروعة من الاكل والشرب والملبس والمنكح والتوسعة في معايش الدنيا وأسبابها فبعد تحققه بعالم الوحدة يرد الى عالم الكثرة ولكن لا تضره الكثرة إذا أصلا وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى مصدر بمعنى الانتهاء اى انتهاء الخلق في رجوعهم الى الله تعالى بعد الموت لا الى غيره لاستقلالا ولا اشتراكا فيجازيهم بأعمالهم وفي الحقيقة انتهاء الخلق اليه تعالى في البداية والنهاية ألا الى الله تصير الأمور إذ لا اله الا هو (وفي المثنوى)
دست بر بالاى دست اين تا كجا
تا بيزدان كه اليه المنتهى
كان يكى درياست بي غور وكران
جمله درياها چوسيلى پيش آن
حيلها و چارها كر اژدهاست
پيش الا الله انها جمله لاست
قال ابن عطاء من كان منه مبدأه كان اليه منتهاه وإذا وصل العبد الى معرفة الربوبية ينحرف عنه كل فتنة ولا يكون له مشيئة غير اختيار الله له قيل للحسين ما التوحيد قال أن تعتقد انه معلل الكل بقوله هو الاول وعند ذلك تطلب المعلولات منه الابتداء واليه الانتهاء ذهبت المعلولات وبقي المعلل بها قال بعض الكبار من ادل دليل على توحيد الله تعالى عند من لا كشف عنده كونه تعالى عند النظار والفلاسفة علة العلل وهذا توحيد ذاتى ينتفى معه الشريك بلا شك غير ان اطلاق هذا اللفظ عليه تعالى لم يرد به الشرع فلا ندعوه به ولا نطلقه عليه فاعلم ذلك وَأَنَّهُ تعالى هُوَ وحده أَضْحَكَ وَأَبْكى الضحك انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك والبكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل يقال إذا كان الصوت اغلب كالرغاء وسائر هذه الابنية الموضوعة للصوت وبالقصر يقال إذا كان الحزن اغلب وقوله فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا اشارة الى الفرح والترح وان لم يكن مع الضحك قهقهة ولا مع البكاء اسالة دمع كما في المفردات والمعنى هو خلق قوتى الضحك والبكاء في الإنسان منهما ينبعث الضحك والبكاء والإنسان لا يعلم ما تلك القوة او هما كنايتان عن السرور والحزن كأنه قيل افرح واحزن لان الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء او عما يسر
صفحة رقم 253
ويحزن وهو الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة او اضحك في الدنيا اهل النعمة وابكى اهل الشدة والمصيبة او اضحك في الجنة أهلها وابكى في النار أهلها او اضحك الأرض بالنبات وابكى السماء بالمطر أو الأشجار بالأنوار والسحاب بالامطار او القراطيس بالارقام والأقلام بالمداد او اضحك القرد وابكى البعيرا واضحك بالوعد وابكى بالوعيد او اضحك المطيع بالرضى وابكى العاصي بالسخط او اضحك قلوب العارفين بالحكمة وابكى عيونهم بالحزن والحرقة او اضحك قلوب أوليائه بأنوار معرفته وابكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه او اضحك المستأنسين بنرجس مودته وياسمين قربته وطيب شمال جماله وابكى المشتاقين بظهور عظمته وجلاله او اضحك بالإقبال على الحق وابكى بالادبار عنه او اضحك الأسنان وابكى الجنان او بالعكس قال الشاعر
السن تضحك والاحشاء تحترق
وانما ضحكها زور ومختلق
يا رب باك بعين لا دموع لها
ورب ضاحك سن ما به رمق
او اضحك بتجليه اللطفى الجمالي القلب المنور بنور اللطف والجمال وابكى بتجليه القهرى الجلالي النفس المظلمة بظلمة القهر والجلال او اضحك بتجليه الجلالي النفس على القلب عند استيلاء ظلمة النفس على القلب وابكى بتجليه الجمالي القلب على النفس عند غلبة أنوار القلب على النفس وفي الآية دلالة على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء قالت عائشة رضى الله عنها مر النبي عليه السلام على قوم يضحكون فقال لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال ان الله تعالى يقول وانه هو اضحك وابكى فرجع إليهم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتانى جبريل فقال ائت هؤلاء فقل لهم ان الله يقول هو اضحك وابكى وسئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة فقال ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم وقال النبي عليه السلام لجبرآئيل مالى لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار وقيل لعمر رضى الله عنه هل كان اصحاب رسول الله عليه السلام يضحكون قال نعم والله والايمان اثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي وعن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة رضى الله عنه أكنت تجالس النبي عليه السلام قال نعم وكان أصحابه يجلسون فيتناشدون الشعر ويذكرون أشياء من امر الجاهلية فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا يعنى النبي عليه السلام ولقى يحيى عيسى عليهما السلام فتبسم عيسى في وجه يحيى فقال ما لي أراك لاهيا كأنك آمن فقال مالى أراك عابسا كأنك آيس فقالا لا نبرح حتى ينزل علينا الوحى فأوحى الله تعالى احبكما الى احسنكما ظنا بي (وروى) احبكما الى الطلق البسام وقال الحسن يا ابن آدم تضحك ولعل كفنك خرج من عند القصار وبكى نوح عليه السلام ثلاثمائة سنة بقوله ان ابني من أهلي وقال كعب لأن ابكى من خشية الله حتى تسيل دموعى على وجنتي أحب الى من ان أتصدق بجبل ذهب والنافع بكاء القلب لا العين فقط.
بر ان از دو سرچشمه ديده جوى
ور الايشى دارى از خود بشوى
وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا لا يقدر على الاحياء والاماتة غيره لا خلقا ولا كسبا فان اثر
صفحة رقم 254