قوله : لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ يجوز أن يكون «كَاشِفَةٌ » وصفاً١ وأن يكون مصدراً٢، فإن كانت وصفاً احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه صفة لمؤنث محذوف فقيل : تقديره : نَفْسٌ كَاشِفَةٌ أو حالٌ كَاشِفَةٌ.
فإن قيل : إذا قدرتها نفسٌ كاشفة، وقوله مِن دُونِ الله استثناء على المشهور فيكون الله نفساً كاشفة٣ ؟
فالجواب من وجوه :
الأول : لا فساد في ذلك لقوله تعالى حكايةً عن عيسى - عليه الصلاة والسلام - وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [ المائدة : ١١٦ ].
الثاني : ليس صريحاً في الاستثناء فيجوز أن لا يكون نفساً.
الثالث : الاستثناء الكاشف المُبَالِغ٤ ويحتمل أن يكون التاء للمبالغة كَرَاوية، وعَلاَّمَة ونَسَّابَة أي ليس لها إنسان كاشفة أي كثير الكشف.
وإن كانت مصدراً، فهي كالخَائِنَة والعَافِيَة والْعَاقِبَة، والمعنى ليس لها من دون الله كشفٌ أي لا يكشف عنها، ولا يظهرها غيره، فيكون من كشف الشيء أي عرف حقيقته٥، كقوله : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ [ الأعراف : ١٨٧ ] وإما من كشف الضر أي أزالهُ. والمعنى ليس لها من يزيلها ويردها إذا غَشِيَت الخَلْقَ أهْوالُها وشدائدُها لم يكشفها أحد عنهم غيره. وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك٦. وتقدم الكلام على مادة «أَزِفَ » في غافر.
و«مِنْ » زائدة، تقديره ليس لها غيرُ الله كَاشفة، وهي تدخل على النفي فتؤكد معناه تقول : مَا جَاءَنِي أَحَدٌ، ومَا جَاءنِي مِنْ أَحَدٍ، وعلى هذا يحتمل أن يكون فيه تقديم وتأخير أي ليس لها من كاشفة دونَ الله فيكون نفياً عاماً بالنسبة إلى الكواشف، ويحتمل أن تكون غير زائدة، والمعنى ليس لها في الوجود نفس تكشفها٧ أي تخبر عنها كما هي من غير٨ الله يعني من يكشفها فإنما يكشفها من الله لا من غير الله كقولك : كَشَفْتُ الأَمْرَ مِنْ زَيْدٍ. و«دون » يكون بمعنى غير كقوله تعالى : أئِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ [ الصافات : ٨٦ ] أي غير الله.
٢ وهو رأي الزمخشري في الكشاف ٤/٣٥ والرماني في البحر المرجع السابق على أن الرأي السابق هو رأي الزمخشري الأول، وللرازي رأيه كما سيأتي الآن..
٣ في الرازي: نفسا لها كاشفة..
٤ اسما فاعل..
٥ وهو رأي للرماني وجماعة كما أخبر بطلك صاحب البحر المحيط ٨/١٧٠..
٦ البغوي والخازن في معالم التنزيل ولباب التأويل ٦/٢٧١..
٧ في الرازي: تكتشفها..
٨ وفيه: كما هي ومتى وقتها من غير الله..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود