ﭮﭯﭰ

( ١١ ) الأفق الأعلى : كناية عن السماء.
والنجم١ إذا هوى٢ ( ١ )ما ضل٣ صاحبكم٤ وما غوى٥ ( ٢ ) وما ينطق عن الهوى٦ ( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى٧ ( ٤ ) علمه٨ شديد القوى( ٥ )ذو مرة فاستوى١٠ ( ٦ ) وهو بالأفق الأعلى١١ ( ٧ ) ثم دنا فتدلى١٢ ( ٨ ) فكان قاب قوسين١٣ أو أدنى( ٩ ) فأوحى إلى عبده ما أوحى١٤ ( ١٠ ) ما كذب الفؤاد١٥ ما رأى ( ١١ ) أفتمارونه١٦ على ما يرى( ١٢ ) [ ١-١٢ ].
في الآيات قسم رباني في معرض التوكيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذهل ولم ينحرف عن الحق والصدق، ولم ينطق بما نطق ولم يبلغ ما بلغ كذبا وشفاء لهوى النفس وخيلائها، وبأن ما أخبر به هو وحي أوحي إليه، وقد أبلغه إياه رسول رباني قوي صادق، وقد رآه في أفق السماء وقد اقترب منه إلى مسافة قريبة جدا، ومن المكابرة أن تجادلوه فيما رآه وعاينه.
وواضح من هذا أن الآيات بسبيل وصف مشهد شهده النبي صلى الله عليه وسلم وتوكيد صدق ما أخبر به من ذلك.
ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا عن الشيباني قال :( سألت زرا عن قوله تعالى : فكان قاب قوسين أو أدنى٩ فأوحى إلى عبده ما أوحى١٠ ما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ٩-١١ ] فقال : أخبرنا عبد الله أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح )١. وروى البخاري حديثا عن مسروق جاء فيه :( قال مسروق لعائشة أين قوله تعالى : ثم دنا فتدلى٨ فكان قاب قوسين أو أدنى النجم [ ٨-٩ ] قالت : ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وأتاه هذه المرة في صورة الأصلية فسد الأفق )٢.
وأكثر المفسرين٣ يرجحون أن المشهد هو مشهد جبريل عليه السلام الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى، وهو الأوجه فيما هو المتبادر.
ولقد ورد في سورة التكوير آيات فيها بعض ما في هذه الآيات من وصف لملك الله ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم له بالأفق وتوكيد ذلك وهي : إنه لقول رسول كريم١٩ ذي قوة عند ذي العرش مكين٢٠ مطاع ثم أمين٢١ وما صاحبكم بمجنون٢٢ ولقد رآه بالأفق المبين٢٣ التكوير [ ١٩-٢٣ ]، فمن الجائز أن تكون آيات النجم التي نحن في صددها بسبيل توكيد صحة ما أخبر به سابقا حيث ظل الكفار يكذبون ويمارون.
ولقد احتوت الآيات التالية لهذه الآيات إشارة إلى مشهد ثان مماثل رآه النبي صلى الله عليه وسلم والضمير فيه معطوف على الأول. فمن الجائز كذلك أن تكون الآيات التي احتوت توكيدا للمشهد الذي حكته آيات سورة التكوير قد جاءت كتمهيد توكيدي واستشهادي للمشهد الثاني الذي حكته الآيات التالية لها.
وتعبير وما كذب الفؤاد ما رأى النجم [ ١١ ] قد يفيد كون المشهد الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم روحاني خاص به شهده بقوة البصيرة التي اختصه الله بها من دون الناس العاديين، على ما هو المتبادر من السياق. والآية التالية لهذه الآية تدعم هذا ؛ حيث استنكرت المراء في أمر خاص بالشعور والإدراك النبوي الذي لا يجوز أن يكون موضع مراء ؛ كأنما أرادت الآية أن تقول : إن المراد إنما يصح أن يكون فيما يمكن أن يكون قدرا مشتركا بين الناس يستطيع جميعهم أن يروه ويحسوا به ويدركوه بحاسة من حواسهم. فإذا ادعى أحدهم أنه رآه وأحس به وأدركه كان لغيره أن يماري في ذلك إذا لم يره هو ويحس به ويدركه.
ويمكن أن يضرب المثل للتوضيح برؤية الكسوف والرؤيا النومية. فلا يستطيع أحدا مثلا أن يدعي أنه رأى كسوف الشمس دون سائر الناس ؛ لأنه مشهد عام يتساوى الناس في رؤيته. وذلك على عكس الرؤيا لأنها خاصة بالشخص الذي رآها، ولا تتحمل دعوى رؤياها أي جدل أو مكابرة أو مراء.
وقد قصدنا بهذا الشرح المستلهم من الآيات توضيح ما يكون بين الله وبين أنبيائه من اتصال خاص بهم على اختلاف صوره التي ذكرتها آية سورة الشورى هذه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم [ ٥١ ]٤ يدركونه ويشعرون به بما اختصهم الله به من قوة لا يمكن إدراكها بالعقل العادي، ويجب الإيمان بها لأن ذلك مما يستتبعه الإيمان بالله وأنبيائه، والمشهد الذي وصفته وأكدته الآيات مظهر من مظاهر هذا الاتصال ويجب الإيمان بصحته لأن القرآن والنبي قد أخبرا به.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير