ﭲﭳﭴ

قوله : ثُمَّ دَنَا فتدلى التدلي : الامتداد من علو إلى سفل، فيستعمل في القرب من العلو قاله الفراء١، وابن الأعرابي٢.
وقال الهذلي :

تَدَلَّى عَلَيْنَا وَهْوَ زَرْقُ حَمَامَةٍ لَه طِحْلِبٌ فِي مُنْتَهَى القَيْظِ هَامِدُ٣
وقال الشاعر :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تَدَلَّى عَلَيْنَا بَيْنَ سِبٍّ وَخَبْطَةٍ٤
ويقال : هُوَ كَالقِرِلَّى٥ إنْ رأى خيراً تدلَّى وإن لم يَرَه تَوَلَّى٦.

فصل


في قوله :«دَنَا فَتَدَلَّى » وجوه :
أشهرها : أن جبريل - صلى الله عليه وسلم - دنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أي بعد ما مد جَنَاحَهُ «وهو بالأفق » عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقَرُب من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا ففي «تَدَلَّى » وجوه :
الأول : فيه تقديم وتأخير أي تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني : أن الدُّنُوَّ والتَّدلِّي بمعنًى واحد فكأنه قال : دَنَا فَقَرُبَ٧.
وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله :( فَ ) تدلى بمعنى الواو٨، والتقدير : ثم تدلى جبريل - عليه الصلاة والسلام - ودنا ولكنه جائزٌ إذا كان معنى الفعلين واحداً قدمتَ أيَّهُمَا شئتَ، فقلت : فَدَنَا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأَسَاءَ فَشَتَمَنِي ؛ لأن الإساءة والشتم شيءٌ واحد٩ وكذلك قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر [ القمر : ١ ] أي انشق القمر واقْتَرَبَت الساعة.
الثالث : دنا أي قصد القرب من محمد - عليه الصلاة والسلام - وتحول عن المكان الذي كان فيه فتدلّى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني : أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - دنا من الخلق والأمة وَلان لهم وصار كواحد منهم فتدلى أي تدلى إِليهم بالقول اللّين والدعاء بالرفق فقال : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ [ الكهف : ١١٠ ].
الوجه الثالث : دَنَا منه ربه فقرب منه منزلته كقوله - عليه الصلاة والسلام - حكاية عن ربه تعالى :«مَنْ تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتَ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَمَنْ مَشَى إِلَيَّ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً » وهذا إشارة إلى المنع المجازي.
١ قال في المعاني ٣/٩٥: "كأن المعنى ثم تدلى فدنا" ولم أجد ما قاله المؤلف بلفظه في المعاني له بينما قال في اللسان "دَلاَ": ولا يكون التدلي إلا من علوّ إلى استفال..
٢ المرجع السابق..
٣ من الطويل وهو لأسامة الهذلي كما في اللسان ولم ينسب في البحر. ورواية المؤلف كرواية البحر وفي اللسان "عليه" بدل "علينا" و"القيض" بدل القيظ. والشاهد في "تدلى" فمعناه أتى علينا من مكان. وانظر البيت في اللسان دلا ١٤١٨، والبحر ٨/١٥٤ وروح المعاني للآلوسي٢٧/٤٨..
٤ صدر بيت من الطويل عجزه:
بجرداء مثل الوكف يكبو غُرابها ..........................
وهو لأبي ذؤيب يصف مشتار العسل. والسّب الحبل. وقيل: الوتد. والخبطة رأس الجبل. يقول: إنه تدلى من رأس جبل على خلية عسل ليشتارها بحبل شده في وتد أثبته في رأس الجبل. وانظر البيت عجزا في الكشاف ٤/٢٨، واللسان "سبب"..

٥ طائر صغير..
٦ وانظر الكشاف ٤/٢٨..
٧ انظر الرازي ٢٨/٢٨٥ و ٢٨٦..
٨ الظاهر أنه يقصد (ثم)..
٩ بالمعنى من معاني الفراء ٣/٩٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية