قوله : وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً ضمير تركناها إمَّا للقصة أو للفِعْلَة التي فعلناها آية يعتبر بها، أو السفينة. وهو الظاهر. والمعنى تركناها أي أبقاها الله بباقِرْدى من أرض الجزيرة آيةً أي عبرة حتى نظرت إليها أوائلُ هذه الأمة، وكانت على الجُوديِّ. وقيل : بأرض الهِنْدِ، ومعنى تركناها أي جعلناها، لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة(١).
قوله : فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ أصله «مُدْتَكر » فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أبدلت المعجمة(٢) مهملة لمقارنتها وقد تقدم هذا في قوله : وادّكر بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : ٤٥ ]. وقد قرئ «مُدْتَكِرٍ » بهذا الأصل(٣).
وقرأ قتادة فيما نقل عنه أبو الفضل - مُدَكَّرٍ(٤) - بفتح الدال مخففة وبتشديد الكاف، من دَكَّر بالتشديد أي دَكَّر نَفْسَه أو غَيرَه بما بمضى من قصَصِ الأولين.
ونقل عنه ابن عطية كالجماعة إلا أنه بالذَّال المعجمة، وهو شاذ لأن الأَوَّلَ يُقْلَبُ للثَّانِي، لا الثاني للأول.
روى زُهَيْرٌ عن أبي إِسْحَاقَ أنه سمعَ رجُلاً يسأل الأسود : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أو مِنْ مذَّكِرٍ، قال : سمعت عبد الله يقرأها : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ دالاً(٥).
فصل
وهذه الآية إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تَمَّ، ولم يبق إلا جانب المُرْسَلِ إِليهم بأن يتفكروا ويهتدوا. وهذا الكلام يصلح أن يكون حثاً وأن يكون تخويفاً وزجراً، وقال ابن الخطيب : مُدَّكِرٌ مُفْتَعِلٌ من ذَكَرَ يَذْكُرُ وأصله مُذْتكرٌ. وقرأ بعضهم بهذا الأصل. ومنهم من يقلب التاء دالاً. وفي قوله : مدّكِر إشارة إلى قوله : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى أي هل ممن يتذكر تلك الحالة ؟ وإما إلى وضوح الأمر كأنه جعل(٦) للكل آيات الله فنَسُوها، فهل من متذكر(٧) يتذكر شيئاً منها ؟.
٢ وهي التاء..
٣ كذا في النسختين نقلا عن البحر المحيط ٨/١٧٨، ولم يحدد أبو حيان من قرأ بتلك القراءة وفي الكشاف: مدتكر على الأصل ومدكر دونما تحديد أيضا لقارئهما..
٤ كذا بالدال في النسختين وما في البحر نقلا عن أبي الفضل الرازي بالذال. وهو الصحيح. وانظر البحر المرجع السابق ٨/١٧٨..
٥ نقل هذا الإمام البغوي في معالم التنزيل ٦/٢٧٥ وابن منظور في اللسان "ذكر" ١٤٠٣..
٦ في الرازي: حصل..
٧ وفيه "مدّكر"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود