قوله :«حكمة » فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ كأنه قيل : ولقد جاءهم حكمة بالغة من الأنباء، وحينئذ يكون بدل كل من كل، أو بدل اشتمال.
الثاني : أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هو حكمة بالغةٌ١، أي ذلك الذي جاءهم من إرسال الرسل وإيضاح الدلائل، والإنذار لمن مضى، أو إشارة لما فيه الأنباء أنه حكمة، أو إشارة إلى الساعة المقتربة. وقد تقدم أنه يجوز على قراءة أبي جعفر وزيد أن يكون خبراً ل وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ . وقرئ «حِكْمَةً » بالنصب حالاً من «ما »٢.
قال الزمخشري : فإن قلت : إن كانت «ما » موصولة ساغ لك أن تنصب «حكمة » حالاً فكيف تعمل إن كانتْ موصوفة وهو الظاهر ؟
قلت : تَخَصُّصها بالصفة فيحسن نصب الحال عنها. انتهى٣.
وهو سؤال واضح ؛ لأنه يصير التقدير : جاءهم من الأنْبَاء شيء فيه ازدجار فيكون منكراً، وتنكير ذِي٤ الحال قبيحٌ.
قوله : فَمَا تُغْنِي النذر يجوز في «ما » أن تكون استفهامية، وتكون في محل نصب مفعولاً مقدماً أي أَيَّ شَيْء تُغْنِي النذر ؟ وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئاً٥.
والنذر جمع نَذِير ؛ والمراد به المصدر أو اسم الفاعل كما تقدم في آخر النجم٦. وكتب «تغن » إتباعاً للفظ الوصل، فإنها ساقطة لالتقاء الساكنين٧.
قال بعض النحويين : وإنما حذفت الياء من «تغني » حملاً لها على «لَمْ » فجزمت كما تجزم «لَمْ ». قال مكي : وهذا خطأ، لأن «لم » تنفي الماضي وترُدُّ المستقبل ماضياً، و«ما » تنفي الحال، فلا يجوز أن يقع إحداهما موقع الأخرى لاختلاف مَعْنَيَيْهِمَا٨.
فصل
المعنى أن القرآن حكمة بالغة تامة قد بلغت الغاية. وقوله : فَمَا تُغْنِي النذر إن كانت «ما » نافية فالمعنى أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الإيمان، وإنما أرسلوا مبلغين كقوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ ٩ [ الشورى : ٤٨ ] ويؤيد هذا قوله :«فَتَولَّ عَنْهُمْ » وإن كانت استفهامية فالمعنى : وأي شيءٍ تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم ؟ كقوله : وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ أي إنك أتيت بما عليك من الدعوى فكذبوا بها وأنذرتهم بما جرى على المكذبين، فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذي تغني النذر غير هذا فلم يبق عليك شيء آخر ؟ فتول عنهم.
٢ ونسبها أبو حيان لليماني. انظر المرجع السابق والكشاف أيضا..
٣ الكشاف المرجع السابق..
٤ أي صاحب الحال..
٥ أخذه من الكشافِ للزمخشري السابق أيضا..
٦ في قوله: "هذا نذير من النّذُر الأولى"..
٧ الياء وهمزة الوصل..
٨ قاله في مشكل الإعراب له ٢/٣٣٦ و٣٣٥..
٩ وانظر هذا كله في تفسير الإمام الرازي ١٥/٣٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود