ﭥﭦﭧﭨ ﭪﭫﭬﭭﭮ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

[سُورَة الْقَمَر (٥٤) : آيَة ٥٣]

وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)
هَذَا كَالتَّذْيِيلِ لِقَوْلِهِ: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ [الْقَمَر: ٥٢] فَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ، وَالْمَعْنَى: وكل شَيْءٍ حَقِيرٍ أَوْ عَظِيمٍ مُسْتَطَرٌ، أَيْ مَكْتُوبٌ مَسْطُورٌ، أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ كُلُّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيُحَاسِبُ عَلَيْهِ، فَمُسْتَطَرٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ سَطَرَ إِذَا كَتَبَ سُطُورًا قَالَ تَعَالَى: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [الطّور: ٢].
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الْأَنْعَام: ٥٩] وَقَوْلُهُ: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [سبأ: ٣].
فَالصَّغِيرُ: مُسْتَعَارٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا شَأْنَ لَهُ وَلَا يَهْتَمُّ بِهِ النَّاسُ وَلَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ، أَوْ لَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةً عَظِيمَةً. وَالْكَبِيرُ: مُسْتَعَارٌ لِضِدِّهِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا لَهُ شَأْنٌ مِنَ الصَّلَاحِ وَمَا لَهُ شَأْنٌ مِنَ الْفَسَادِ وَمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَمَا دُونَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَكَذَلِكَ كَبَائِرُ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَمَا دُونَهَا مِنَ اللَّمَمِ وَالصَّغَائِرِ.
وَالْمُسْتَطَرُ: كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ بِهِ وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ مَكَانَ ذَلِكَ جَامِعًا للتبشير والإنذار.
[٥٤، ٥٥]
[سُورَة الْقَمَر (٥٤) : الْآيَات ٥٤ إِلَى ٥٥]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ كُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطِرٌ عَلَى إِرَادَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ وَمُجَازَى عَلَيْهِ وَقَدْ عُلِمَ جَزَاءُ الْمُجْرِمِينَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [الْقَمَر: ٤٧] كَانَتْ نَفْسُ السَّامِعِ بِحَيْثُ تَتَشَوَّفُ إِلَى مُقَابِلِ ذَلِكَ مِنْ جَزَاءِ الْمُتَّقِينَ وَجَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ مِنْ
تَعْقِيبِ النِّذَارَةِ بِالْبِشَارَةِ وَالْعَكْسُ.
وَافْتِتَاحُ هَذَا الْخَبَرِ بِحَرْفِ إِنَّ لِلْاِهْتِمَامِ بِهِ.

صفحة رقم 224

و (فِي) مِنْ قَوْلِهِ: فِي جَنَّاتٍ لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى التَّلَبُّسِ الْقَوِيِّ كَتَلَبُّسِ الْمَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ، وَالْمُرَادُ فِي نَعِيمِ جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فَإِنَّ لِلجَّنَّاتِ وَالْأَنْهَارِ لَذَّاتٌ مُتَعَارَفَةٌ مِنَ اللَّهْوِ وَالْأُنْسِ وَالْمُحَادَثَةِ، وَاجْتِنَاءِ الْفَوَاكِه، ورؤية جَرَيَان الْجَدَاوِلِ وَخَرِيرِ الْمَاءِ، وَأَصْوَاتِ الطُّيُورِ، وَأَلْوَانِ السَّوَابِحِ.
وَبِهَذَا الْاِعْتِبَارِ عَطَفَ نَهَرٍ عَلَى جَنَّاتٍ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ بِأَنَّهُمْ سَاكِنُونَ جَنَّاتٍ فَإِنَّ ذَلِك يُغني عَنهُ قَوْلِهِ بَعْدَ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنْغَمِسُونَ فِي أَنْهَارٍ إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُهُ السَّامِعُونَ.
ونهر: بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةٌ فِي نَهْرٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. وَالْمُرَادُ بِهِ اسْمُ الْجِنْس الصَّادِق بالمتعدد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الْأَعْرَاف: ٤٣]، وَقَوْلِهِ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ إِمَّا فِي مَحَلِّ الْحَالِ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَإِمَّا فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ الثَّانِي لِ إِنَّ.
وَالْمَقْعَدُ: مَكَانُ الْقُعُودِ. وَالْقُعُودُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ الْمُطَمْئِنَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [التَّوْبَة: ٤٦].
وَالصِّدْقُ: أَصْلُهُ مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ ثُمَّ شَاعَتْ لَهُ اسْتِعْمَالَاتٌ نَشَأَتْ عَنْ مَجَازٍ أَوِ اسْتِعَارَةٍ تَرْجَعُ إِلَى مَعْنَى مُصَادَفَةِ أَحَدِ الشَّيْءِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ كَمَالَ أَحْوَالِ جِنْسِهِ، فَيُقَالُ:
هُوَ رَجُلُ صِدْقٍ، أَيْ تَمَامٌ رُجْلَةٌ، وَقَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:

إِنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَقَاصِدٌ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكٍ
أَيِ ابْنِ الْعَمِّ حَقًّا، أَيْ مُوفٍ بِحَقِّ الْقَرَابَةِ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يُونُس: ٩٣] وَقَالَ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشُّعَرَاء: ٨٤] وَيُسَمَّى الْحَبِيبُ الثَّابِتُ الْمَحَبَّةِ صَدِيقًا وَصِدِّيقًا.
فَمَقْعَدُ صِدْقٍ، أَيْ مَقْعَدٌ كَامِلٌ فِي جِنْسِهِ مَرْضِيٌّ لِلْمُسْتَقِرِّ فِيهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِفْزَازٌ وَلَا زَوَالٌ، وَإِضَافَةُ مَقْعَدِ إِلَى صِدْقٍ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَمَكُّنِ الصِّفَةِ مِنْهُ.

صفحة رقم 225

وَالْمَعْنَى: هُمْ فِي مقْعد يشْتَمل على كُلَّ مَا يَحْمَدُهُ الْقَاعِدُ فِيهِ.
وَالْمَلِيكُ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَالِكِ مُبَالَغَةً وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مَلِكَ، وَمُقْتَدِرٌ: أَبْلَغُ مِنْ قَادِرٍ، وَتَنْكِيرُهُ وَتَنْكِيرُ مُقْتَدِرٍ لِلتَّعْظِيمِ.
وَالْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ وَكَرَامَةٍ، وَالظَّرْفُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

صفحة رقم 226

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٥٥- سُورَةُ الرَّحْمَنِ
وَرَدَتْ تَسْمِيَتُهَا «بِسُورَة الرَّحْمَن» فِي أَحَادِيث مِنْهَا مَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ»
الْحَدِيثَ.
وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ الْمُنَقِّرِيَّ قَالَ لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتْلُ عَلَيَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَعِدْهَا، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً»
إِلَخْ.
وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَفِي الْمَصَاحِفِ.
وَذَكَرَ فِي «الْإِتْقَانِ» : أَنَّهَا تُسَمَّى «عَرُوسَ الْقُرْآنِ» لِمَا
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوسٌ وَعَرُوسُ الْقُرْآنِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ»
. وَهَذَا لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ ثَنَاءً عَلَى هَذِهِ السُّورَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التَّسْمِيَةِ فِي شَيْءٍ كَمَا رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فُسْطَاطُ الْقُرْآنِ (١).
وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِسُورَةِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا ابْتُدِئَتْ بِاسْمِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنُ [الرَّحْمَنُ: ١].
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ المحكي فِي قَول تَعَالَى:
_________
(١) الظَّاهِر أَن معنى: لكل شَيْء عروس، أَي لكل جنس أَو نوع وَاحِد من جنسه يزينه تَقول الْعَرَب:
عرائس الْإِبِل لكرائمها فَإِن الْعَرُوس تكون مكرمَة مزينة مرعية من جمع الْأَهْل بِالْخدمَةِ والكرامة، وَوصف سُورَة الرحمان بالعروس تَشْبِيه مَا تحتوي عَلَيْهِ من ذكر الْحبرَة وَالنَّعِيم فِي الْجنَّة بالعروس فِي المسرة والبذخ، تَشْبِيه مَعْقُول بمحسوس وَمن أَمْثَال الْعَرَب: لَا عطر بعد عروس (على أحد تفسيرين للمثل) أَو تَشْبِيه مَا كثر فِيهَا من تَكْرِير فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بِمَا يكثر على الْعَرُوس من الْحلِيّ فِي كل مَا تلبسه.

صفحة رقم 227

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [٦٠]، فَتَكُونُ تَسْمِيَتُهَا بِاعْتِبَارِ إِضَافَةِ «سُورَةٍ» إِلَى «الرَّحْمَن» عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ وَصْفِ الرَّحْمَنِ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ، وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ فِي صلح الْقَضِيَّة عِنْد مَا أَبَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو أَنْ يَكْتُبَ فِي رَسْمِ الصُّلْحِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وَنُسِبَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ سِوَى آيَةٍ مِنْهَا هِيَ قَوْله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرَّحْمَن: ٢٩]. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ كُلَّهَا، وَهِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ. وَإِذَا صَحَّ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قَوْلُ الْمُشْركين وَمَا الرَّحْمنُ تَكُونُ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ.
وَقِيلَ سَبَبُ نُزُولِهَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ الْمَحْكِيِّ فِي سُورَةِ النَّحْلِ [١٠٣]. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الَّذِي عَلَّمَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ.
وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا فَقَدْ
أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «مَسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَت: «سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ الرُّكْنِ قَبْلَ أَنْ يُصَدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ وَالْمُشْرِكُونَ يَسْمَعُونَ يَقْرَأُ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الْحِجْرِ. وَلِلْاِخْتِلَافِ فِيهَا لَمْ تُحَقِّقْ رُتْبَتَهَا فِي عِدَادِ نُزُولِ سُوَرِ الْقُرْآنِ. وَعَدَّهَا الْجَعْبَرِيُّ ثَامِنَةً وَتِسْعِينَ بِنَاء على القَوْل بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ وَجَعَلَهَا بَعْدَ سُورَةِ الرَّعْدِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْإِنْسَانِ.
وَإِذْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ قبل سُورَة الْحجر وَقبل سُورَةِ النَّحْلِ وَبَعْدَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فَالْوَجْهُ أَنْ تُعَدَّ ثَالِثَةً وَأَرْبَعِينَ بَعْدَ سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَقَبْلَ سُورَةِ فَاطِرٍ.
وَعْدَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ آيَهَا سَبْعًا وَسَبْعَيْنِ، وَأَهْلُ الشَّام والكوفة ثمانيا وَسَبْعِينَ لأَنهم عدوا الرَّحْمَن آيَةً، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ سِتًّا وَسَبْعَيْنِ.

صفحة رقم 228

أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةُ
ابْتُدِئَتْ بِالتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» :«أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقَدِّمَ فِي عَدَدِ آلَائِهِ أَوَّلَ شَيْءٍ مَا هُوَ أَسْبَقُ قِدَمًا مِنْ ضُرُوبِ آلَائِهِ وَأَصْنَافِ نَعْمَائِهِ وَهِيَ نِعْمَةُ الدِّينِ فَقَدَّمَ مِنْ نِعْمَةِ الدِّينِ مَا هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا وَأَقْصَى مَرَاقِبِهَا وَهُوَ إِنْعَامُهُ بِالْقُرْآنِ وَتَنْزِيلِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَأَخَّرَ ذِكْرَ
خَلْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ ذِكْرِهِ ثُمَّ أَتْبَعُهُ إِيَّاهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْبَيَانِ»
اه.
وَتَبِعَ ذَلِكَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ الْقُرْآنُ رَدًّا عَلَى مَزَاعِمِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النَّحْل: ١٠٣]، وَرَدًّا عَلَى مَزَاعِمِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ أَوْ أَنَّهُ سِحْرٌ أَوْ كَلَامُ كَاهِنٍ أَوْ شِعْرٌ.
ثُمَّ التَّذْكِيرُ بِدَلَائِلِ قُدْرَةِ الله تَعَالَى فِيمَا أَتْقَنَ صُنْعَهُ مُدْمَجًا فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرِ بِمَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ نَعَمِ عَلَى النَّاسِ.
وَخَلْقِ الْجِنِّ وَإِثْبَاتِ جَزَائِهِمْ.
وَالْمَوْعِظَةُ بِالْفَنَاءِ وَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى التَّذْكِيرِ بِيَوْمِ الْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ. وَخُتِمَتْ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
وَتَخَلَّلَ ذَلِكَ إِدْمَاجَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْعَدْلِ، وَالْأَمْرَ بِتَوْفِيَةِ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ حُقُوقَهُمْ، وَحَاجَةَ النَّاسِ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ فِيمَا خَلَقَ لَهُمْ، وَمِنْ أَهَمِّهَا نِعْمَةُ الْعِلْمِ وَنِعْمَةُ الْبَيَانِ، وَمَا أَعَدَّ مِنَ الْجَزَاءِ لِلْمُجْرِمِينَ وَمِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ لِلْمُتَّقِينَ وَوَصْفُ نَعِيمَ الْمُتَّقِينَ.
وَمِنْ بَدِيعِ أُسْلُوبِهَا افْتِتَاحُهَا الباهر باسمه الرَّحْمنُ وَهِيَ السُّورَةُ الْوَحِيدَةُ الْمُفْتَتَحَةُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ غَيْرُهُ.
وَمِنْهُ التَّعْدَادُ فِي مَقَامِ الْاِمْتِنَانِ وَالتَّعْظِيمِ بِقَوْلِهِ: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إِذْ تَكَرَّرَ فِيهَا إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَرَّةً وَذَلِكَ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ جَلِيلٌ كَمَا سنبينه.

صفحة رقم 229

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية