يطوف عليهم يَخدمهم وِلدانٌ غلمان، جمع وليدٍ، مُخلَّدون مُبْقَّوْنَ أبداً على شكل الولدان، لا يتحولون عنه إلى الكِبَر، وقيل : مقرَّطون، والخِلَدَةُ : القُرْط، وهو ما يلقى في الأذن من الأخراص وغيرها. قيل : هم أطفال أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات يُثابون عليها، ولا سيئات يعاقبون عليها. وفي الحديث :" أولاد الكفار خُدّام أهل الجنة " ١، وهذا هو الصحيح.
ثم وصف المقرّبين بكونهم على سُرر الهداية، منسوجة بالعِز والعناية، محفوفة بالنصر والرعاية، متكئين عليها، راسخين فيها، متقابلين في المقامات والأخلاق، أي : يواجه بعضهم بعضاً بقلوبهم وأسرارهم، لا تَباغض بينهم ولا تحاسد، تطوف عليهم الأكوان وتخدمهم، " أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكوّن، فإذا شهدت المُكوِّن كانت الأكوان معك ". يُسقون بأكوابٍ وأباريق من علم الطريق، وكأس من خمر الحقيقة، فلا يتصدّعون من أجلها ؛ إذ ليست كخمر الدوالي، ولا يُنزفون : لا يسكرون سُكْر اصطلام، وإنما يسكرون سُكراً مشوباً بصَحْوٍ، إذا كان الساقي عارفاً ماهراً. وفاكهة ؛ حلاوة الشهود، مما يتخيرون، إن شاؤوا بالفكرة والنظرة، وإن شاؤوا بالذِكر والمذاكرة، وكان بعض أشياخنا يقول : خمرة الناس في الحضرة، وخمرتنا في الهدرة، أي : المذاكرة. ولحم طير من علوم الطريقة والشريعة، مما يشتهون منها، وحُورق عِين من أبكار الحقائق، مصونة عن غير أهلها، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء على مجاهدتهم ومكابدتهم. لا يسمعون في جنة المعارف لغواً ولا تأثيماً ؛ لتهذيب أخلاق أهلها، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
فلا تسمع من الصوفية إِلا قيلاً سلاماً سلاماً، كما قيل في حقيقة التصوُّف : أخلاقٌ كرام، ظهرت من قوم كرام، في زمن كريم. هـ. تُهذّبُ أخلاقَ النّدامى، فيَهْتدي بها لطريقه العزم مَن لا له عَزْم ويكرُمُ مَن لا يَعْرف الجودَ كَفّه ويحلُمُ عند الغيظ مَن لا له حِلم
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي