ﯰﯱﯲﯳﯴ

قوله : وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم .
الحِنْثُ في أصل كلامهم : العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي١.
وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به ؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله :«لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ »٢.
وإنما قيل ذلك ؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي : بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث.
وفي الحديث :«كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ »٣، أي : يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو :«تَحَرَّجَ » فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب٤.

فصل في تفسير الآية٥


قال الحسن، والضحاك، وابن زيد : يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم أي : يقيمون على الشرك٦.
وقال قتادة ومجاهد : الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه٧.
وقال الشَّعبي : هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال : حنث في يمينه، أي : لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم.

فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة


قال ابن الخطيب٨ : والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم.
وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين : جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ كما قاله في السَّابقين ؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه.
واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله : وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [ من ] أقبح القبائح، فقال : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم.
وفي الآية مبالغة٩ ؛ لأن قوله : وَكَانُواْ يُصِرُّونَ يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب ؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم :«بَلَغَ الحِنْثَ » أي : بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة.
وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب١٠.
١ ينظر الدر المصون ٦/٢٦٠..
٢ تقدم..
٣ تقدم..
٤ ينظر الدر المصون ٦/٢٦٠..
٥ ينظر القرطبي ١٧/١٣٨..
٦ أخرجه الطبري في تفسيره" (١١/٦٤٨) عن الضحاك وابن زيد..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٢٩/١٤٨..
٩ الفخر الرازي ٢٩/١٤٩..
١٠ السابق ٢٩/١٥٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية