ﮗﮘﮙ

{أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم

صفحة رقم 459

شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم} أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ الآية. فأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله وينبت على إختياره لا على إختيارهم، وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُم زَرَعْتُ وَلَكِن لِيَقُلْ حَرَثْتُ). وتتضمن هذه الآية أمرين: أحدهما: الإمتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني: البرهان الموجب للإعتبار بأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذوره وإنتقاله إلى إستواء حاله، [من العفن إلى الترتيب] حتى صار زرعاً أخضر، ثم جعله قوياً مشتداً أضعاف ما كان علي، فهو بإعادة من مات أحق وعليه أقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة. ثم قول تعالى لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً يعني الزرع، والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به، فنبه بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه. الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم، كما أنه يجعل الرزع حطاماً إذا شاء كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا. فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ بعد مصير الزرع حطاماً، وفيه أربعة أوجه: أحدها: تندمون، وهو قول الحسن وقتادة، ويقال إنها لغة عكل وتميم. الثاني: تحزنون، قاله ابن كيسان. الثالث: تلاومون، قاله عكرمة.

صفحة رقم 460

الرابع: تعجبون، قاله ابن عباس. وإذا نالكم هذا في هلاك زرعكم كان ما ينالكم في هلاك أنفسكم أعظم. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لمعذبون، قاله قتادة، ومنه قول ابن المحلم:

(وثقت بأن الحفظ مني سجية وأن فؤادي مبتلى بك مغرم)
الثاني: مولع بنا، قاله عكرمة، ومنه قول النمر بن تولب:
(سلا عن تذكره تكتما وكان رهيناً بها مغرماً)
أي مولع. الثالث: محرومون من الحظ، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر:
(يوم النسار ويوم الجفا ركانا عذاباً وكانا غراماً)
أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أي تستخرجون بزنادكم من شجر أو حديد أو حجر، ومنه قول الشاعر:
(فإن النار بالزندين تورى وإن الشر يقدمه الكلام)
ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أي أخذتم أصلها. أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ يعني المحدثون. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً فيه وجهان: أحدهما: تذكرة لنار [الآخرة] الكبرى، قاله قتادة. الثاني: تبصرة للناس من الظلام، قاله مجاهد. وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوينَ فيه خمسة أقاويل: أحدها: منفعة للمسافرين قاله الضحاك، قال الفراء: إنما يقال للمسافرين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. الثاني: المستمتعين من حاضر ومسافر، قاله مجاهد. الثالث: للجائعين في إصلاح طعامهم، قاله ابن زيد.

صفحة رقم 461

الرابع: الضعفاء والمساكين، مأخوذ من قولهم قد أقوت الدار إذا خلت من أهلها، حكاه ابن عيسى. والعرب تقول قد أقوى الرجل إذا ذهب ماله، قال النابغة:

(يقوى بها الركب حتى ما يكون لهم إلا الزناد وقدح القوم مقتبس)
الخامس: أن المقوي الكثير المال، مأخوذ من القوة فيستمتع بها الغني والفقير.

صفحة رقم 462

النكت والعيون

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي

تحقيق

السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء 6
التصنيف التفسير
اللغة العربية