فنزل التخفيف. قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت. ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله تعالى بالإشفاق، لا يقال يا شفيق. لأن أصله الحزن والخوف.
قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِم.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم. يعني: المنافقون والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب [الحشر: ١١].
وهو مثل قوله أيضا: فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [المائدة: ٥٢] أي: نفاق يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [المائدة: ٥٢] أي: في موالات اليهود نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة: ٥٢] يعني المنافقين يقولون ذلك.
قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ [المائدة: ٥٢] الآيات.
وقوله وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي: يحلفون للنبي ﷺ أنهم يشهدون أنه رسول الله ﷺ. وهو قوله: إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: ١٤] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي ﷺ في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: " كان النبي ﷺ في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ. فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي