وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الغلبة لمن دونه وَلِرَسُولِهِ بإظهار دينه وَلِلْمُؤْمِنِينَ بنصرهم على الكافرين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذلك، ولو علموا، ما قالوا هذه المقالة.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩).
[٩] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ تشغلكم.
أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ هو الصلوات الخمس.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أي: اللهو بها.
فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ لأنهم باعوا الباقي بالفاني. قرأ الدوري عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال، والباقون: بالإظهار (١).
وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠).
[١٠] و أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ في الطاعة، وقال ابن عباس: المراد: زكاة الأموال (٢).
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي: أسبابه.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٥).
فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا هَلَّا أَخَّرْتَنِي أمهلتني إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ زمان يسير.
فَأَصَّدَّقَ فأتصدق وأزكي مالي، قيل: نزلت في مانعي الزكاة.
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ المؤمنين. قرأ أبو عمرو: (وَأَكُونَ) بالواو ونصب (١) النون على جواب التمني، وعطفًا على (فَأَصَّدَّقَ)؛ لأنه نصب بإضمار أن، وقال: إنما حذفت الواو من المصحف اختصارًا، وقرأ الباقون: (وَأَكُنْ) بجزم النون من غير واو عطفًا على موضع (فَأَصَّدَّقَ) (٢)؛ لأنه جواب الشرط، تقديره: إن أخرتني، أصدق، وأكنْ، وكذا هو مرسوم في جميع المصاحف.
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١).
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ولن يمهلها إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا آخرُ عمرها.
واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهَا) كاختلافهم فيهما من وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فمجازٍ عليه. قرأ أبو بكر عن عاصم (يَعْمَلُونَ) بالغيب على تخصيص الكفار بالوعيد، وقرأ الباقون: بالخطاب على مخاطبة جميع الناس (٣)، والله أعلم.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٥ - ١٥٦).
(٣) المصادر السابقة.
سورة التغابن
مدنية، وقال بعض المفسرين: مكية إلا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ إلى آخر السورة، وآيها: ثماني عشرة آية، وحروفها: ألف وسبعون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وأربعون كلمة.
قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: قال رسول الله - ﷺ -: "ما مِنْ مولودٍ يولَد إلا وفي شبائِكِ رأسه مكتوبٌ خمسُ آياتٍ من فاتحةِ سورةِ التغابن" (١).
وعن أبي بن كعب: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قرأَ سورةَ التغابن، دُفعَ عنه موتُ الفُجاءة" (٢).
وفي إسناده الوليد بن الوليد الدمشقي، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به فيما يروي. وقال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٣٧٤): غريب جدًّا. بل منكر.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٢٥)، وابن مردويه والواحدي في "تفسيريهما" كما عزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٤/ ٤٤). قال المناوي في "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي" (٣/ ١٠٤٤): موضوع.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب