الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما [ الطلاق : ١٢ ].
المعنى الجملي : بعد أن أنذر سبحانه مشركي مكة بأنهم إن لم يتبعوا أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم يحل بساحتهم مثل ما حل بسائر الأمم قبلهم ممن كذبوا رسلهم وعتوا عن أمر ربهم فاستؤصلوا وبادوا في الدنيا، وسيحل بهم العذاب الذي لا مرد له في الآخرة- ذكر هنا عظيم قدرته وسلطانه، وبديع خلقه للعالم العلوي والسفلي ليكون ذلك باعثا على اتباع ما شرع من الدين، واستجابة دعوة الرسول، والعمل بما أنزل عليه من تشريع فيه سعادة الدارين.
الإيضاح : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن أي الله هو الذي خلق السماوات السبع وخلق مثلهن في العدد من الأرضين.
وهذا الأسلوب في اللغة لا يفيد الانحصار في السبعة، وإنما يفيد الكثرة، فالعرب تعني في كلامها بذكر السبعة والسبعين والسبعمائة الكثرة فحسب ؛ ويؤيد هذا أن علماء الفلك في العصر الحاضر قالوا : إن أقل عدد ممكن من الأرضين الدائرة حول الشموس العظيمة التي نسميها نجوما لا يقل عن ثلاثمائة مليون أرض، ولا شك أن هذا قول هو بالظن أشبه منه باليقين.
روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن، والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ).
وروي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى : سبع سماوات ومن الأرض مثلهن الآية قوله : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم بتكذيبكم بها.
وهذا من الحِبر دليل على أن هناك عوالم كثيرة لا يجدر بالعلماء أن يحدثوا عنها العامة، فإن عقولهم تضل في فهمها، فلتبق في صدور العلماء وأهل الذكر حتى لا يفتنوا بها.
يتنزل الأمر بينهن أي يجري أمر الله وقضاؤه وقدره بينهن، وينفذ حكمه فيهن، فهو يدبر ما فيها وفق علمه الواسع، وحكمته في إقامة نظمها، بحسب العدل والمصلحة.
أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة قال :( في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه تعالى، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه عز وجل ).
لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما أي ينزل قضاء الله وأمره بين ذلك، كي تعلموا أيها الناس كنه قدرته وسلطانه، وأنه لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه أمر شاءه، فهو على ما يشاء قدير، ولتعلموا أن الله بكل شيء من خلقه محيط علما لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
فخافوا أيها المخالفون أمر ربكم فإنه لا يمنعه من عقوبتكم مانع، وهو قادر على ذلك، ومحيط بأعمالكم لا يخفى عليه منها خاف، وهو محصيها عليكم، ليجازيكم بها يوم تجزى كل نفس بما كسبت.
تفسير المراغي
المراغي