ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚ

كذلك. وقد جاءتا بأسلوب التساؤل عما إذا كان يطلب من الكفار أجرا على دعوته لهم وإرشادهم حتى يستثقلوا الطلب ويتهربوا من الدعوة تفاديا من المغرم والخسارة أو عما إذا كانوا مطلعين على غيب الله أم بيدهم أمر المستقبل، فيقررون لأنفسهم ما يشاؤون حتى يبدو منهم هذا الاطمئنان إلى العاقبة.
نفي طمع النبي صلّى الله عليه وسلّم في أجر على رسالته:
وأسلوب الآيتين منطو على التنديد بالمكذبين على تصاممهم عن الدعوة وعدم مبالاتهم، كما هو منطو على الإنذار كما هو المتبادر. كذلك فإنه منطو على نفي طلب النبي صلّى الله عليه وسلّم أو طمعه في أجر أو مكافأة على مهمته العظمى، وقد تكرر في القرآن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلانه ذلك في معرض الدعوة والتنديد، ثم في معرض التدليل على صدق الدعوة والإخلاص لها إخلاصا مجردا من أي غاية خاصة إلّا واجب القيام بأمر الله ورغبة هدايتهم إلى الله ومكارم الأخلاق، وتأمين أسباب السعادة لهم في الدنيا والآخرة وإنذارهم بالعواقب الوخيمة لعدم استجابتهم مثل آيات سورة سبأ هذه: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩). وآية سورة الفرقان هذه: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧).
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)
[٥٠- ٤٨].
(١) صاحب الحوت هو النبي يونس كما ذكرت ذلك آيات أخرى بصراحة.

صفحة رقم 389

(٢) مكظوم: ممتلىء غيظا وغمّا.
(٣) نبذ: ألقي مهملا.
(٤) العراء: الأرض العارية من الشجر.
(٥) مذموم: سيء الذكر والعاقبة.
(٦) اجتباه: اختاره وقرّبه وتاب عليه.
الآيات موجهة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وفيها:
١- أمر بالصبر إلى أن يتم أمر الله وحكمه.
٢- ونهي عن أن يكون كصاحب الحوت الذي ضاق ذرعه ولم يطق صبرا على تكذيب أمته له.
٣- وإشارة خاطفة إلى ما كان من عاقبته حيث استغاث الله وناداه فعطف عليه وتداركته نعمته واجتباه وجعله من الصالحين. ولولا ذلك لألقاه الحوت إلى الأرض العارية منبوذا مذموما.
والآيات استمرار للسياق كما هو واضح. وفيها صورة مما كان يطرأ على النبي صلّى الله عليه وسلّم من أزمات وضيق صدر من موقف الصدّ والتكذيب والمناوأة الذي أخذ يواجهه منذ أوائل الدعوة. وقد تكررت الإشارات القرآنية إلى مثل هذه الصورة كما تكررت الأوامر القرآنية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالصبر والثبات «١».
والإشارة إلى صاحب الحوت هي أولى الإشارات القرآنية إلى الأنبياء وقصصهم لأن صاحب الحوت هو النبي يونس على ما ذكر ذلك بصراحة في سورة الصافات. ثم توالت الفصول القرآنية في قصص الأنبياء وأقوامهم. ومعظمها تكرر وروده أكثر من مرة مقتضبا في مكان مسهبا في مكان آخر حتى شغلت حيزا غير قليل من القرآن وخاصة المكي منه. واقتضاب الإشارة وخاصة الاكتفاء بالإشارة الضمنية إلى النبي يونس بتعبير صاحب الحوت يدلان على أن قصة يونس لم تكن

(١) انظر كتابنا «سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم» ج ١ ص ٢٧٥ وما بعدها.

صفحة رقم 390

غريبة عن سامعي القرآن. ولقد ذكرت بتفصيل واف في سفر يونان أحد أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. وهذه الأسفار كانت متداولة بين اليهود والنصارى في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم والمتبادر أن أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلّم وسامعي القرآن منهم قد سمعوها أو أن بعضهم قد سمعها منهم.
وملخص ما ورد في السفر المذكور وهو متطابق إجمالا مع ما ورد في القرآن أن الله تعالى أمر يونان بن امتاي «١» بإنذار أهل نينوى بعذاب الله ولكنه هرب من وجه الرب إلى يافا ليبحر إلى ترشيش فركب سفينة فثارت زوبعة عظيمة فخاف الملاحون وألقوا أثقالهم ثم اقترعوا على إلقاء بعضهم على أمل أن يلقوا من كان الشر بسببه فوقعت القرعة عليه وحثهم على إلقائه قائلا إن الزوبعة ثارت من أجلي فألقوه فوقفت الزوبعة. وابتلع يونان حوت عظيم وبقي في بطنه ثلاثة أيام وكان يصلي لله ويستغيث به فاستجاب الله له وأمر الحوت بقذفه من جوفه ثم أمره بالذهاب إلى نينوى ثانية فلما جاءهم وأنذرهم آمنوا فكشف الله عنهم الشر الذي كان يوشك أن ينزل بهم.
أهداف القصص القرآنية
والإشارة إلى صاحب الحوت هنا وردت في معرض التمثيل والتحذير والتثبيت حتى لا يضيق صدر النبي صلّى الله عليه وسلّم بموقف التكذيب واللجاج الذي وقفه قومه منه. وهذا ما استهدفته قصص الأنبياء في القرآن التي يلحظ أنها استهدفت ثلاثة أهداف:
الأول: تثبيت النبي عليه السلام ودعوته إلى التأسي كما هو في الآيات التي نحن في صددها وكما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة الأنعام هذه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ

(١) عرّب هذا الاسم فصار يونس بن متى. وقد ذكر في بعض الأحاديث النبوية بصيغته المعربة من ذلك حديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى»، انظر «التاج»، ج ٣ ص ٣٦٨.

صفحة رقم 391

كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤).
والثاني: إنذار الكفار وتذكيرهم بما حل بمن سبقهم من الجاحدين المكذبين الصادين كما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠).
والثالث: تطمين وتبشير المسلمين بما كان من عاقبة كل من المؤمنين والكفار من الأمم السابقة حيث أهلك الله الكفار ونصر ونجى المسلمين ودعوتهم إلى التأسي بما كان من صبر الأنبياء والمؤمنين السابقين وثباتهم على دين الله كما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة هود هذه: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨).
ومجمل الأهداف الثلاثة هو العبرة والموعظة والتطمين والتسلية والتنديد والإنذار، وفي القرآن آيات كثيرة أخرى تتضمن تقرير هدف القصص القرآنية في نطاق ذلك منها آية سورة الأعراف هذه: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١). وآية سورة هود هذه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)، وآية سورة

صفحة رقم 392

يوسف هذه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [١١١].
ولقد قلنا إن قصة يونس لم تكن غريبة عن سامعي القرآن، وهذا يطّرد في القصص القرآنية عامة على ما سوف نبينه في مناسباته. وآيات العنكبوت تنطوي على دليل قوي على ذلك إذا ما أنعم القارئ النظر فيها. وهناك آيات عديدة أخرى تفيد ذلك منها آية سورة الأنبياء هذه: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)، وآية سورة القصص هذه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [٤٨]. حيث يمكن أن يقال إن حكمة الله اقتضت أن تكون القصص معروفة من قبل السامعين جزئيا أو كليا لتكون العبرة والعظة والإلزام والإفحام أشد، لأن الناس يتأثرون بالأمثال التي يعرفونها، والأحداث التي يعلمون نبأها.
ولقد سبق الآيات التي نحن في صددها آيات تنديدية وإنذارية، كما لحقتها آيتان فيهما تنديد وتثبيت أيضا. وهذا مؤيد لكون الهدف هو التثبيت والتحذير.
وقد جرى القرآن على هذا الأسلوب في معظم الفصول التي وردت فيها قصص الأنبياء، بل إن هذا في هذه الفصول أوفى وأظهر، مما هو مؤيد لفكرة الهدف من جهة ومظهر من مظاهر الانسجام في النظم القرآني من جهة ثانية، ودليل على أن القصص القرآنية لم ترد لماهيتها التاريخية من جهة ثالثة.
ولقد قلنا إن معظم قصص الأنبياء وأقوامهم قد تكررت في القرآن وتنوعت أساليبها ومنها ما تكرر مرارا عديدة، وقد غمز المغرضون من المبشرين والمستشرقين القرآن بسبب ذلك وبسبب تكراره الفصول التدعيمية الأخرى كمشاهد الكون ومشاهد الآخرة والحجج والبراهين. وردا على ذلك نقول إن الفصول القصصية لم تكن للسرد التاريخي وإنما هي للوعظ والعبرة ولقد كانت اتصالات النبي صلّى الله عليه وسلّم بمختلف طبقات الناس والمناسبات والأوقات مستمرة متجددة. وكانت متنوعة في ظروفها وأشخاصها. فمن الطبيعي أن تتماثل الفصول القرآنية التي كانت تتلى بوحي الله على مختلف الطبقات وفي مختلف المناسبات والأوقات بسبيل

صفحة رقم 393

تدعيم الدعوة وتحقيق الهدف من القصص القرآنية. ومع جلالة قدر النبوة وصاحبها صلى الله عليه وسلّم يمكن أن يقال إن مثل النبي في ذلك مثل الواعظ أو المدرس أو المعلم الذي يلقي دروسه على طلابه ومستمعيه. فهؤلاء يتجددون من آن لآخر، فمن الطبيعي أن يكرر المعلم والواعظ والمدرس دروسه ومواعظه بناء على ذلك. وقصارى ما يمكن أن يحدث هو شيء من التبدل والتنوع في طريقة العرض والأسلوب والألفاظ. وهو نفس الشيء الذي كان بالنسبة للفصول القصصية والتدعيمية الأخرى المتكررة «١»، حيث كانت حكمة التنزيل توحي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بما يقتضي الموقف ذكره من القصص بالأسلوب الذي يقتضيه. ولا يتناقض هذا مع كون النبي صلى الله عليه وسلّم كان قد عرف أو سمع هذه القصص قبل الوحي لأن الوحي ينزل بالأسلوب المؤدّي إلى الهدف من القصص. ويلحظ أنه كل مرة تكررت فيها هذه الفصول جاء فيها شيء جديد استكمالا للعبرة والموعظة على ما سوف ننبه إليه في مناسباته. وهذا من مظاهر تلك الحكمة كما هو المتبادر.
وهناك نقطة أخرى يحسن أن نشير إليها، وهي أن المفسرين يجنحون إلى القول أو الظن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعلم شيئا من القصص التي كان يوحى إليه بها قبل نزولها. ولسنا نرى هذا وجيها لا من وجهة نظر الوحي القرآني ولا من وجهة نظر النبوة. فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعيش قبل نزول الوحي عليه في بيئة فيها كتابيون يروون ما في كتبهم من قصص ويتداولونها والروايات العديدة تذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتصل بهم ويسمع منهم ما في كتبهم. وتجار وغير تجار كانوا يرحلون إلى البلاد المجاورة للجزيرة يسمعون من أهلها مختلف الأنباء والأخبار والقصص.
والنبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه قام ببعض الأسفار إلى بعض هذه البلاد كما هو ثابت ثبوتا في درجة اليقين. ورواة العرب يروون ما يتناقله الأجيال من أخبار وأحداث وقصص عربية. فليس من المعقول ولا من الطبيعي أن يقال إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يجهل هذه القصص كليا أو جزئيا. ونقول هنا ما قلناه قبل قليل إن ذلك آت من سوء فهم كنه

(١) انظر كتابنا «القرآن المجيد»، في مقدمة هذا التفسير.

صفحة رقم 394

وهدف الوحي بهذه القصص عن حسن نية. وليس من تعارض قط بين وحي ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه منها بالأسلوب الذي أوحيت به وبين ما يمكن ويصح أن يكون النبي قد عرفه منها قبل نزولها. ولقد كان في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم تقاليد دينية واجتماعية متنوعة وكان يجري فيها أحداث متنوعة شاهد بعضها وسمع بعضها وعاش بعضها. ولقد ذكر في القرآن كثير من ذلك وليس أحد يدعي أو يمكن أن يدعي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعرف ذلك قبل بعثته. وهذا وذاك من باب واحد.
ويورد الذين يقولون ذلك القول بعض آيات وردت في سياق بعض القصص منها آية سورة هود هذه في سياق قصة نوح: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [٤٩]، وآية سورة آل عمران هذه في سياق قصة مريم: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)، وآية سورة يوسف في سياق قصة يوسف وإخوته: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢). وقصتا نوح ويوسف وردتا متصلتين في سفر التكوين وبين ما ورد في هذا السفر وما ورد في القرآن تطابق كثير. وهذا السفر كان مما يتداوله الكتابيون. وكان العرب يعرفون قصة نوح واتخذوا أصنام قومه التي ذكرها الله في سورة نوح أصناما لهم على ما سوف نشرحه في سياقها. فلا يصح أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم وقومه لم يعرفوا شيئا من هذه القصص الثلاث، وليس من مناص إزاء الواقع من تخريج الآيات بما يزيل الإشكال ويتفق معه. وقد رأينا الخازن يعلق على آية هود فيقول: إن هذه القصة مشهورة وإنه ليس مما يحتمل أن لا تكون معروفة. وإنه يجب صرف الآية على محمل قصد عدم معرفة النبي وقومه بجميع تفصيلاتها، وفي هذا التعليق وجاهة ظاهرة كما أنه لا معدى عنه أو عن ما يقاربه كصرف كلمة (الغيب) إلى معنى الزمن البعيد غير المشاهد أو الذي صار في طيات الدهر.

صفحة رقم 395

وننبه على أن بقية الفصول القصصية في سورتي هود وآل عمران وكذلك الفصول المتنوعة الواردة في مختلف السور بما في ذلك قصص نوح ويوسف ومريم لم يرد فيها مثل هذا التعليق والتقييد. وأن قصة نوح ذكرت بتفصيل أو اقتضاب مرات كثيرة في السور التي نزلت قبل سورة هود مثل سور ص والأعراف والقمر والشعراء وأن قصة مريم وولادة عيسى ذكرت بتفصيل أيضا في سورة مريم التي نزلت هي الأخرى قبل سورة آل عمران وأشير إليها باقتضاب في سور متعددة أخرى ولم يرد في هذه القصص في هذه السور مثل هذا التعليق والتقييد مما يجعل التأويل والتخريج سائغا وصوابا.
ومما يصح إضافته إلى الآيات العديدة التي احتوت دلائل وقرائن على أن السامعين كانوا يعرفون أخبار الأمم والأنبياء التي تتلى عليهم في القرآن على سبيل العظة والتذكر أن المفسرين قد أوردوا بيانات كثيرة في سياق كل قصة من القصص مسهبة حينا ومقتضبة حينا معزوة إلى علماء الأخبار إطلاقا حينا وبأسماء حينا مثل ابن عباس ومقاتل ومجاهد والضحاك والكلبي وابن اسحق ووهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهم. واحتوت تفاصيل وجزئيات حول هذه القصص أو قصصا لسبيلها مهما كان فيها من إغراب ومفارقات فإننا نستبعد أن تكون كلها موضوعة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم ونميل إلى القول بل نرجح أنها احتوت أشياء كثيرة مما كان يدور في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة وبعدها وحولها. وأنها مما يمكن الاستئناس به في تأييد ما قلنا. وكذلك مما يصح إضافته أيضا صيغة أعلام القصص مثل طالوت وجالوت ويونس وأيوب وفرعون وهامان وقارون وهرون وإبراهيم وسليمان وداود وإدريس ونوح والمسيح عيسى وموسى وهاروت وماروت... إلخ. فإن هذه الأعلام قد جاءت في القرآن معرّبة وعلى أوزان عربية من لغات غير عربية ولم تكن فيها بالصيغة العربية الواردة حتما ومن المستبعد أن تكون قد عربت لأول مرة في القرآن ومن المرجح أن تكون عربت وتداولت بأوزانها العربية قبل نزولها. وبهذا وحده يصح أن يشملها (بلسان عربي مبين) الذي جاء في معرض نزول القرآن لأنها جزء منه. وتداولها معربة قبل نزول القرآن يعني كما هو بديهي معرفة العرب شيئا من

صفحة رقم 396

أخبار أصحابها. وفي ما تكررت حكاية في القرآن عن الكفار من قولهم عن القرآن إنه أساطير الأولين وإن النبي ﷺ استكتبها وهي تملى عليه وإنه كان أناس يعينونه عليها وإنهم لو شاؤوا لقالوا مثلها كما جاء في آيات سور [الأنعام/ ٢٥] و [الأنفال/ ٣٠] و [الفرقان/ ٥] و [القلم/ ٨ و ١٥] قرينة قوية كذلك إن لم نقل حاسمة على أن العرب كانوا يسمعون من مقصد القرآن ونذره وبشائره وتذكراته ما كان اتصل علمه بهم وكان متداولا بينهم.
وننبه على ظاهرة هامة في صدد القصص القرآنية، وهي أن السور المكية هي التي ورد فيها على الأعم الأغلب ما اقتضت إيراده حكمة التنزيل من القصص بأحداثها وأخبارها وأشخاصها وتكراراتها بالصيغ والأساليب المتنوعة. وأن السور المدنية لم تحتو إلا إشارات تذكيرية خاطفة إليها، والحكمة التي نلمحها في هذه الظاهرة هي أن القصص كانت تورد كما قلنا قبل في مجال الجدل والحجاج للإلزام والإفحام والموعظة والتذكير والإنذار وتدعيم الدعوة ومبادئها الرئيسية.
ومسرح ذلك في الأعم الأغلب كان العهد المكي. في حين صار العهد المدني عهد قوة وعزة وطمأنينة وتشريع وجهاد أكثر منه عهد حجاج ولجاج. والله تعالى أعلم.
ويذهب بعض الذين يفسرون القرآن تفسيرا باطنيا أو صوفيا إلى زعم كون القصص القرآنية رموزا لشؤون أخرى ويؤولونها على هذا الاعتبار تأويلا تعسفيا فيه العجيب الغريب. وفي هذا ما فيه من شطح بل وهذيان. لأن جل القصص الواردة في القرآن إن لم نقل كلها مما كان واردا في أسفار وقراطيس ومما كان متداولا بين الناس جيلا بعد جيل ومعروفا بأشخاصه وأحداثه. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات التي نحن في صددها من سورة القلم مدنية، غير أن انسجامها مع السياق والموضوع انسجاما تاما وقويا ومماثلة الصورة التي احتوتها لصور العهد المكي تجعلنا نتوقف في صحة رواية مدنيتها، والله تعالى أعلم.

صفحة رقم 397

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية