الأرض، ولا ندرى كيف ذلك، ولا الحكمة فيه، فندع تفصيل ذلك ونؤمن به كما جاء فى الكتاب ولا نزيد عليه.
(وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) أي ويحمل عرش ربك حينئذ فوق رءوسهم ثمانية من الملائكة.
(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ) أي فيومئذ تحاسبون وتسألون، لا يخفى على الله شىء من أموركم، فإنه تعالى عليم بكل شىء، لا يعزب عنه شىء فى الأرض ولا فى السماء، كما جاء فى آية أخرى: «لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ».
وفى هذا تهديد شديد، وزجر عظيم، ومبالغة لا تخفى، وفضيحة للكافرين، وسرور للمؤمنين بظهور ما كان خفيا عليهم من أعمالهم، وبذلك يتكامل حبورهم وسرورهم.
والتعبير بالعرض تشبيه بعرض السلطان لعسكره، ليعرف أحوالهم، وفى هذا العرض إقامة للحجة، ومبالغة فى إظهار العدل.
أخرج الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن مردويه عن أبى موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف فى الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله».
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٩ الى ٢٤]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)
شرح المفردات
هاؤم: أي خذوا، ظننت: أي علمت، ملاق: أي معاين، راضية: أي يرضى بها صاحبها، عالية: أي مرتفعة المكان، والقطوف: ما يجتنى من الثمر، واحدها قطف (بكسر القاف وسكون الطاء) دانية: أي قريبة، هنيئا: أي بلا تنغيص ولا كدر، أسلفتم: أي قدمتم، الخالية: أي الماضية.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أنهم يعرضون على الله ولا يخفى عليه شىء من أعمالهم- فصل أحكام هذا العرض، فأخبر بأن من يؤتى كتابه بيمينه يشتد فرحه حتى يقول لكل من لقيه: خذ كتابى واقرأه، لأنه يعلم ما فيه من خير وفضل من الله، ويقول:
إنى كنت أعلم أن هذا اليوم آت لا ريب فيه، وإنى سأحاسب على ما أعمل، وحينئذ يكون جزاؤه عند ربه جنة عالية ذات ثمار دانية، ويقال له ولأمثاله: كلوا واشربوا هنيئا بما قدمتم لأنفسكم فى الدنيا.
الإيضاح
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) أي فأما من أعطى كتابه بيمينه فيقول: تعالوا اقرءوا كتابى فرحا به، لأنه لما أوتيه باليمين علم أنه من الناجين الفائزين بالنعيم، فأحب أن يظهره لغيره حتى يفرحوا بما نال.
ثم ذكر العلة فى حسن حاله فقال:
(إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ) أي إنى فرح مسرور، لأنى علمت أن ربى سيحاسبنى حسابا يسيرا، وقد حاسبنى كذلك، فالله عند ظن عبده به.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي