ﭜﭝﭞﭟ

ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)، قال الكلبي: يعني من يخطأ بالشرك (١).
٣٨ - فَلَا (٢) أُقْسِمُ (٣) (٣) ذكرنا هذا في مواضع (٤)، أن (لا) هاهنا يجوز أن تكون صلة (٥) مؤكدة (٦)، ويجوز أن تكون ردًا لكلام من سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما (٧) يقول المشركون (٨).
وقال بعض أهل المعاني: (لا) هاهنا نافية للقسم، على معنى أنه لا يحتاج إليه، لوضوح (٩) الحق في: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)

(١) "فتح القدير" ٥/ ٢٨٥، وقال بذلك أيضًا ابن عباس. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٣. وتعريف "الخاطئون" للدلالة على الكمال في الوصف، أي المرتكبون أشدّ الخطأ، وهو الإشراك. قاله ابن عاشور "التحرير والتنوير" ٢٩/ ١٤٠.
(٢) في (أ): لا أقسم.
(٣) تمام الآية: فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨).
(٤) من المواضع التي ذكرت فيه: [الواقعة: ٧٥] قال تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٧٥] فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) [المعارج: ٤٠]، [القيامة ١ - ٢] لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢). وغيرها من السور نحو: [التكوير: ١٥]، [الانشقاق: ١٦]، [البلد: ١].
(٥) يقابله عند البصريين: حروف الزيادة، وسبب تسميتها بحروف الصلة لأنه يتوصل بها إلى زنة، أو إعراب لم يكن عند حذفها، انظر: "نحو القراء الكوفيين" ٣٤١.
(٦) قال بذلك النحاس في إعراب القرآن: ٥/ ٢٤، وانظر كتاب: حروف المعاني للزجاجي ٨.
(٧) بياض في (ع).
(٨) انظر كتاب: "حروف المعاني" للزجاجي ٨، و"النكت" ٦/ ٨٦، و"زاد المسير" ٨/ ٨٦، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١١٦، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٦.
(٩) بياض في (ع).

صفحة رقم 185

[الحاقة: ٤٠]؛ قال: وفي هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم (١).
قوله: بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩). قال عطاء عن ابن عباس: بما تبصرون اليوم، وما لا تبصرون من الهدى الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- (٢)
وقال الكلبي: بما تبصرون من الخلق من شيء، وبما لا تبصرون من شيء (٣).
وقال مقاتل: بما تبصرون من الخلق، وبما لا تبصرون من الخلق (٤).
وقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما (٥) يبصر منها، وما لا يُبْصَرُ (٦).
والمعنى في هذا: جميع المكونات، والموجودات، فيدخل في هذا: الدنيا والآخرة.
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠). يعني القرآن. والرسول الكريم هو: جبريل، في قول الكلبي (٧)، ومقاتل (٨). ويكون المعنى: إنه لرسالة رسول كريم، فسمى رسالته: قولاً.

(١) لم أعثر على مصدر القول، وورد عند الفخر في "التفسير الكبير" ٣٠/ ١١٦ من غير عزو، وانظر: "الدر المصون" ٦/ ٣٦٨.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢٠٧/ ب.
(٥) في (أ): بما.
(٦) "معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٠، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٥.
(٧) "النكت" ٦/ ٨٦٥، و"زاد المسير" ٨/ ٨٦، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٤، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٦.
(٨) "تفسير مقاتل" ٢٠٧/ ب. وانظر المراجع السابقة.

صفحة رقم 186

وقال الحسن: هو محمد -صلى الله عليه وسلم- (١). وعلى هذا معناه: إنه لتلاوة رسول كريم، وتلاوته: قوله. وهذا هو الأظهر (٢) لقوله: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ وهم إنما نسبوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى أنه شاعر، لا جبريل. وقوله تعالى: قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ. (ما) لغو، وهي مؤكدة (٣).
قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله (٤).
والمعنى: لا يؤمنون أصلاً، والعرب تقول: قلما تأتينا، يريدون: لا يأتينا أصلاً.
وقال الكلبي: القليل ما إيمانهم أنهم: إذا سئلوا من خلقهم؟ (ليقولن الله (٥) (٦) وهذا مشروح في مواضع (٧).

(١) لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله عن الكلبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٥.
(٢) وهو الذي عليه الأكثرون من المفسرين، انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٦٦، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٥، و"زاد المسير" ٨/ ٨٦، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٦.
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢١٨.
(٤) "التفسير الكبير" ٣٠/ ١١٧.
(٥) [الزخرف: ٨٧] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٧) نحو ما جاء في [البقرة: ٨٨] قال تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. ومما جاء في معنى القليل الوارد في الآية: يريد فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فيقول: قلّ ما رأيت من الرجال مثله، وقيل ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل، وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، وقال قتادة: معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل، كما ذكرت أول أخرى في: أحدها: يؤمنون إيمانًا قليلاً، وذلك أنهم يؤمنون بالله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن. الثاني: يؤمنون =

صفحة رقم 187

(وقُرئ: (تؤمنون) و قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (١) بالتاء (٢)، على خطاب المشركين (٣)، وبالياء على أنه خطاب لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وإخبار عن المشركين (٤)، كأنه قال: قليلاً ما يؤمنون يا محمد) (٥).
ثم بين أن القرآن مع أنه قول رسول كريم؛ تنزيل من الله، فقال: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) أي: هو تنزيل وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه [ما] (٦) لم يوح إليه.
قال المفسرون (٧): لو تقول علينا محمد شيئاً (٨) من تلقاء نفسه لم نقله لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا

= قليلاً من الزمان، ويكفرون أكثره. الثالث: أن تكون "ما" مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بقليل، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم.
(١) في (أ): (يذكرون)، وهو خطأ.
(٢) في (أ): (بالتاء)، وهو خطأ.
(٣) قرأ بذلك: نافع، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ٣٨٦، كتاب: السبعة ٦٤٨ - ٦٤٩، و"الحجة" ٦/ ٣١٥، و"المبسوط" ٣٨٠، و"حجة القراءات" ٧٢٠، و"الكشف" ٢/ ٣٣٣.
(٤) وقرأ بذلك: ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب فيها بالياء. انظر المراجع السابقة.
(٥) ما بين القوسين نقله الواحدي عن "الحجة" بتصرف: ٦/ ٣١٥.
(٦) زيادة أثبتها تقتضيها استقامة المعنى.
(٧) ممن قال بذلك: الفراء في "معاني القرآن" ٣/ ١٨٣، الطبري في "جامع البيان" ٢٩/ ٦٦، السمرقندي في "بحر العلوم" ٣/ ٤٠٠، البغوي في "معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٠، ابن عطية في "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٢، ابن الجوزي في "زاد المسير" ٨/ ٨٦، القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٥.
(٨) بياض في (ع).

صفحة رقم 188

بمعنى القوة والقدرة، وهو قول الفراء (١)، والمبرد (٢)، (والزجاج) (٣) (٤). وأنشدوا قول الشماخ:

إذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بالْيَمِينِ (٥)
وعلى هذا القول: (من) صلة (٦) في قوله: لَأَخَذْنَا مِنْهُ قال الفراء: لأخذناه (٧).
(١) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٣، ولم يستشهد ببيت الشماخ.
(٢) "الكامل" ١/ ١٦٧.
(٣) ورد قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢١٨.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) ورد البيت منسوبًا للشماخ في "ديوانه" ٣٣٦، و"لسان العرب" ١/ ٥٩٣: (عرب)، الأمالي للقالي: ١/ ٢٧٤، و"الكامل" للمبرد ١/ ١٦٧، و٢/ ٨٢٥، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: ٢٤٢، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٨٠/ أ، و"النكت" ٦/ ٨٦، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٠، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٧٥، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١١٧، و"البحر المحيط" ١/ ١٦٠، و"فتح القدير" ٥/ ٢٨٦. وورد منسوبًا للحطيئة في "الصحاح" ١/ ١٨٠ مادة: (عرب)، و"تاج العروس" ١/ ٣٧٦ مادة: (عرب). وقد جاء في هامش "اللسان" "البيت ليس للحطيئة كما زعم الأزهري، أفاده الصاغاني"، ولم أعثر عليه في ديوانه. وقد ورد غير منسوب في الخصائص لابن جني: ٣/ ٢٤٩. ومعنى البيت: راية: أصل الراية العلم، ومنه: راية الحرب التي تجعل القوم يقاتلون ما دامت واقفة، وهي هنا استعارة، أي: إذا حدث أمر يقتضي فعل مكرمة، ويفتقر فيه إلى أن يطلع به رب فضيلة وشرب، نهض له الممدوح. تلقاها: استقبلها، وأخذها، وتلقفها، وهو هنا مجاز عن انعقاد المجد له، وحوزه إياه. باليمين: القوة والقدرة. "ديوانه" ٣٣٨.
(٦) يراد بقوله: "صلة"، أى: حرف زيادة، وهذا مصطلح أهل البصرة. انظر: "نحو القراء الكوفيين" ٣٤١.
(٧) في (أ): (لأخذنا). ولم أعثر على مصدر لقوله.

صفحة رقم 189

وقال ابن قتيبة: (اليمين هاهنا القوة، وإنما أقام اليمين مُقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وهذا قول ابن عباس في اليمين (١).
قال (٢): ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهو: أن هذا الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من تعاقب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذوا بيده، وأكثر ما يقوله (٣) السلطانُ والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده، (واسفع (٤) بيده) (٥).
فكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنَّا، لأمَرْنَا بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن (٦). (٧)
وقال مقاتل: لأخذنا منه باليمين، يعني انتقمنا منه بالحق (٨).

(١) وقول ابن عباس الواقع بين معترضتين ليس من قول ابن قتيبة، وقد ورد قوله في "الكشف والبيان" ١٢/ ١٧٩/ ب، والعبارة عنه: "لأخذناه بالقوة والقدرة"، واستشهد بقول الشماخ الآنف الذكر، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٩٠، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٦٣ بمعناه، و"القرطبي" ١٨/ ٢٧٥، و"لباب التأويل" ٤/ ٣٠٧، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٢٩، و"الدر المنثور" ٨/ ٢٧٦، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) أي ابن قتيبة.
(٣) في (أ): يقول بغير هاء.
(٤) السفع: جاء في "اللسان" ٨/ ١٥٨ "سفع بناصيته ورجله، يسْفَع سفْعًا: جذب، وأخذ، وقبض. وحكى ابن الأعرابي: اسْفَعْ بيده، أي خذ بيده".
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦) ورد قوله في "النكت" ٦/ ٨٦، والعبارة عنه: "لقطعنا يده اليمنى"، "والتفسير الكبير" ٣٠/ ١١٨، وعنه: لقطعنا وتينه، و"البحر المحيط" ٨/ ٣٢٩، وعنه: قطعناه عبرة ونكالًا.
(٧) نقله الواحدي من قول ابن قتيبة مختصرًا من "تأويل مشكل القرآن" ١٥٤ - ١٥٥.
(٨) "تفسير مقاتل" ٢٠٧/ ب، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ١١٨.

صفحة رقم 190

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية