إلا المصلين ٢٢ أي المؤمنين الكاملين عبر بالمصلي عن المؤمن أي المؤمن الكامل كما عبر بالإيمان عن الصلاة في قوله تعالى : وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ١ فإن الصلاة أعلى مقامات المؤمن وهي معراج المؤمن وعماد الدين قال المجدد حقيقة الصلاة فوق سائر المقامات التي يمكن حصولها للبشر والاستثناء متصل إن كان اللام في الإنسان للجنس أو للاستغراق فهو مفرد في معنى الجمع أو المعنى أن المجرم أدبر وتولى الخ لأن جنس الإنسان أو كل فرد من خلق مقدرا منه الهلع إلا المؤمنين الكاملين الموصوفين بالصفات المذكورة الدالة على الاستغراق في طاعة الله تعالى والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وعدم إيثار العاجل على الآجل فإنهم لم يخلقوا هلوعا بل خلقوا مقدرا منهم الصبر على الضراء والشرك على السراء الموجبين للإكرام في الجنات، روى مسلم عن حبيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته السراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا )٢ فعلى هذا التأويل وزان هذه الآية وزان قوله تعالى : إن الإنسان لفي خسر ٢ إلا الذين آمنوا ٣ الخ ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا إن كان اللام في الإنسان للعهد والمعنى المجرم الذي أدبر وتولى الخ خلق هلوعا لكن المؤمن الموصوف بتلك الصفات لم يخلق كذلك بل خلق مستعدا للإكرام في الجنات وعلى كلا التأويلين تدل هذه الآية على أن استعدادات الإنسان مختلفة في أصل الخلقة كما قال به المجدد أن مبادي تعينات المؤمن جزئيات للاسم الهادي ومبادئ تعينات الكفار جزئيات لاسم المضل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام )٤ وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم )٥ رواه مسلم في الباب أحاديث كثيرة جدا.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير (٢٩٩٩)..
٣ سورة العصر، الآية: ٢ -٣..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى (٣٤٩٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: خيار الناس (٢٥٢٦)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٢٦٦٢)..
التفسير المظهري
المظهري