لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [٨٠ ٣٧]، وَكُلٌّ يَفِرُّ مِنَ الْآخَرِ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [٨٠ ٣٤ - ٣٧].
وَقَدْ جَاءَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ ; كُلُّ نَبِيٍّ يَقُولُ: نَفْسِي نَفْسِي، وَجَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [٢٢ ٢]، وَلَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ فَزَعٍ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [٢٧ ٨٩]، جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ. آمِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
الْهَلُوعُ: فَعُولٌ مِنَ الْهَلَعِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَالْهَلَعُ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ: شِدَّةُ سُرْعَةِ الْجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ الْمَكْرُوهِ، وَسُرْعَةُ الْمَنْعِ عِنْدَ مَسِّ الْخَيْرِ، وَقَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [٧٠ ٢٠ - ٢١].
وَلَفْظُ: (الْإِنْسَانِ) هُنَا مُفْرَدٌ، وَلَكِنْ أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ، أَيْ: جِنْسُ الْإِنْسَانِ فِي الْجُمْلَةِ ; بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْمُصَلِّينَ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ [٧٠ ٢٢]، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [١٠٣ ١ - ٣] وَنَظِيرُهُ كَثِيرٌ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الْوَصْفَ بِالْهَلَعِ فِي الْكُفَّارِ، وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: تَفْسِيرُهُ فِي الْآيَةِ وَاسْتِثْنَاءُ الْمُصَلِّينَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْهُ ; لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَا عَقَّبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [٧٠ ٣٥]، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! شَأْنُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ: إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ: أَنَّهُ هَلُوعٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ
وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى مَنِ اسْتَثْنَاهُمْ مِنَ الْإِنْسَانِ الْهَلُوعِ بِتِسْعِ صِفَاتٍ:
اثْنَتَانِ مِنْهَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، وَهُمَا الْأُولَى وَالْأَخِيرَةُ ; مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبِ شِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهَا. وَهَذَا مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ فِي الدِّينِ ; لِمَكَانَتِهَا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفِي وَصْفِهِمْ هُنَا بِأَنَّهُمْ: (عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)، وَفِي الْأَخِيرِ: (عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [٧٠ ٣٤].
قَالَ فِي الْكَشَّافِ: الدَّوَامُ عَلَيْهَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَى أَدَائِهَا لَا يُخِلُّونَ بِهَا، وَلَا يَشْتَغِلُونَ عَنْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوَاغِلِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَلَوْ قَلَّ».
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا [٢٤ ٣٦ - ٣٧]، وَقَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [٦٢ ٩].
قَالَ: وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا أَنْ يُرَاعُوا إِسْبَاغَ الْوُضُوءِ لَهَا وَمَوَاقِيتَهَا، وَيُقِيمُوا أَرْكَانَهَا وَيُكْمِلُوهَا بِسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [٢٣ ١ - ٢].
وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتِهِ، حَيْثُ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ارْجِعْ فَصَلِّ ; فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَنَفَى عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ إِيقَاعِهِ الصَّلَاةَ أَمَامَهُ ; وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا بِتَوْفِيَتِهَا حَقَّهَا.
وَقَدْ بَدَأَ اللَّهُ أُولَئِكَ الْمُسْتَثْنَيْنَ وَخَتَمَهُمْ بِالصَّلَاةِ، مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَصْلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَبْدَأٌ لِهَذَا الْمَذْكُورِ كُلِّهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [٢ ٤٥]، فَهِيَ عَوْنٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [٢٩ ٤٥]، فَهِيَ سِيَاجٌ مِنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، فَجَمَعَتْ طَرَفَيِ الْمَقْصِدِ شَرْعًا، وَهُمَا الْعَوْنُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْحِفَاظُ مِنَ الشَّرِّ، أَيْ: جَلْبُ الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ ; وَلِذَا فَقَدْ عُنِيَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ عِنَايَتِهَا، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، إِلَى الْحَدِّ الَّذِي جَعَلَهَا الْفَارِقَ وَالْفَيْصَلَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي