قوله : مِّمَّا خطيئاتهم . «مَا » مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد، ومن لم ير زيادتها جعلها نكرة، وجعل «خَطِيئَاتهِم » بدلاً وفيه تعسف.
وتقدم الخلاف في قراءة «خَطِيئاتِهِم » في «الأعراف ».
وقرأ أبو رجاء١ :«خطيّاتهم » جمع سلامة إلاَّ أنه أدغم الياء في الياء المنقلبة عن الهمزة.
وقال أبو عمرو : قوم كفروا ألف سنةٍ فلم يكن لهم إلاَّ خطيَّات، يريد أنَّ الخطايا أكثر من الخطيَّات.
وقال قوم : خطايا وخطيات، جمعان مستعملان في القلة، والكثرة، واستدلوا بقول الله تعالى : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله [ لقمان : ٢٧ ].
وقال الشاعر :[ الطويل ]
٤٨٩٠ - لَنَا الجَفنَاتُ الغُرّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى*** وأسْيَافُنَا يَقْطُرنَ مِنْ نَجْدةٍ دَمَا٢
وقرأ الجحدريُّ٣ وتروى عن أبيِّ «خطيئتهم » بالإفراد، والهمز.
وقرأ عبد الله٤ «مِنْ خَطيئاتِهم مَا أغْرِقُوا »، فجعل «ما » المزيدة بين الفعلِ وما يتعلق به.
و «من » للسببية تتعلق ب «أغْرقُوا ».
وقال ابنُ عطية : لابتداء الغايةِ، وليس بواضح.
وقرأ العامةُ :«أغرقوا » من «أغرق ».
وزيد بن علي٥ :«غُرِّقُوا » بالتشديد.
وكلاهما للنقل، تقول :«أغرقت زيداً في الماء، وغرَّقته به ».
فصل في صحة «عذاب القبر »
قال ابن الخطيب٦ : دل قوله : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ، على إثبات عذاب القبر لأنه يدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق، ولا يمكن حمل الآية على عذاب الآخرة وإلاَّ بطلت دلالة هذه الفاء، وأيضاً فقوله «فأدْخِلُوا » يدل على الإخبار عن الماضي، وهذا إنَّما يصدق لو وقع ذلك، وقال مقاتل، والكلبيُّ : معناه أنهم سيدخلون في الآخرة ناراً، ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ؛ لصدق وقوع وعده كقوله : ونادى أَصْحَابُ الجنة [ الأعراف : ٤٤ ].
قال ابن الخطيب٧ : وهذا ترك للظاهر، من غير دليل، فإن قيل : إنما تركنا الظاهر لدليل، وهو أن من مات في الماء، فإنا نشاهده هناك، فكيف يمكن أن يقال : إنهم في تلك الساعة أدخلوا ناراً ؟ فالجواب : إن هذا الإشكال، إنَّما جاء لاعتقاد أنَّ الإنسان هو مجموعُ هذا الهيكل، وهذا خطأ لأن الإنسان هو الذي كان موجوداً من أول عمره، مع أنَّه كان صغير الجثَّة في أول عمره، ثم إن أجزاءه دائماً في التحلل والذوبان، ومعلوم أن الباقي غير المتبدل٨، فهذا الإنسانُ عبارة عن ذلك الشيء الذي هو باقٍ، من أول عمره إلى الآن، فلمَ لا يجوز أن يقال : نقل الأجزاء الباقية الأصلية التي في الإنسان عبارة عنها إلى النار وإلى العذاب.
ونقل القرطبيُّ٩ عن القشيري أنه قال : هذه الآية تدل على عذاب القبرِ، ومنكروه يقولون : صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، كقوله تعالى : النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [ غافر : ٤٦ ].
وقيل : أشار إلى ما في الخبر من قوله :«البحرُ نارٌ في نارِ ».
وروى أبو روق عن الضحاك في قوله تعالى : أَغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ، قال : يعني عذبوا بالنار في الدنيا في حالة واحدة، كانوا يغرقون في جانب ويحترقون في الماء من جانب١٠. ذكره الثعلبي.
وأنشد ابن الأنباري :[ البسيط ]
٤٨٩١ - الخَلْقُ مُجتمِعٌ طَوْراً ومُفْتَرِقٌ***والحَادثَاتُ فُنونٌ ذاتُ أطوَارِ
لا تَعْجَبنَّ لأضْدادٍ قَد اجْتمَعَتْ***فاللَّهُ يَجْمَعُ بينَ المَاءِ والنَّارِ١١
قال المعربون :«فأدخلُوا » يجوز أن يكون من التعبير عن المستقبل بالماضي، لتحقق وقوعه كقوله : أتى أَمْرُ الله [ النحل : ١ ]، وأن يكون على بابه، والمراد عرضهم على النَّار في قبورهم كقوله في آل فرعون : النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [ غافر : ٤٦ ].
قوله : فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ الله أَنصَاراً ، أي : من يدفع عنهم العذاب، وهذا يدل على أنهم إنما عبدوا تلك الأصنام لتدفع عنهم الآفاتِ، وتجلب المنافع إليهم فلما جاءهم العذاب لم ينتفعوا بتلك الأصنام، ولم يدفعوا عنهم العذاب وهو كقوله تعالى : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا [ الأنبياء : ٤٣ ].
٢ تقدم..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٧٦، والبحر المحيط ٨/٣٣٦، والدر المصون ٦/٣٨٦..
٤ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٣٧، والدر المصون ٦/٣٨٦..
٥ ينظر: السابق..
٦ الفخر الرازي ٣٠/١٢٩..
٧ ينظر الرازي ٣٠/١٢٩..
٨ في أ: ما يذهب..
٩ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/٢٠١..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره (١٨/٢٠١)..
١١ ينظر القرطبي ١٨/٢٠١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود