سورة الجن
هى مكية، وآيها ثمان وعشرون، نزلت بعد سورة الأعراف.
ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه:
(١) أنه جاء فى السورة السابقة: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» وجاء فى هذه السورة: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً».
(٢) أنه ذكر فى هذه السورة شىء يتعلق بالسماء كالسورة التي قبلها.
(٣) أنه ذكر عذاب من يعصى الله فى قوله: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» وذكر هناك مثله فى قوله: «أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً».
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) صفحة رقم 92
شرح المفردات
النفر: ما بين الثلاثة والعشرة، والجن: واحدهم جنىّ كروم ورومى، عجبا:
أي عجيبا بديعا مباينا لكلام الناس فى حسن النظم ودقة المعنى، والجد: العظمة يقال جدّ فلان فى عينى: أي عظم، قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا: أي جلّ قدره وعظم، والسفيه: الجاهل، شططا: أي غلوّا فى الكذب بنسبة الصاحبة والولد إليه، يعوذون: أي يلتجئون، وكان الرجل إذا أمسى يقفر قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، رهقا: أي تكبّرا، وأصل الرهق: الإثم وغشيان المحارم
المعنى الجملي
اعلم أن الله سبحانه سمى سور كتابه بأسماء تبعث على النظر والاعتبار وتوجب التفكير، فسمى بالأنعام وبالحشرات كالنمل والنحل والعنكبوت وبما هو ألطف من ذلك كالنور، كما سمى ببعض الأنبياء، كيوسف ويونس وهود، وببعض الأخلاق كالتوبة، وببعض الكواكب العلوية كالشمس والقمر والنجم، وببعض الأوقات كالليل والفجر والضحى، وببعض المعادن كالحديد، وببعض الأماكن كالبلد، وببعض النبات كالتين وكل ذلك مما نراه.
وهنا سمى هذه السورة بعالم لا نراه وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف فى الإسلام إلا من طريق الوحى، وليس للعقل دليل عليه ولقد أصبحت هذه العوالم المستترة عنا الشغل الشاغل اليوم للعلماء والباحثين، فصار علماء أوربا يدرسون عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الأرواح، ويطلعون على غوامض هذه العوالم، فتحدث الناس مع أرواح أصحابهم الذين ماتوا، واتصل العالم الإنسى بالعالم الجنى، وبعالم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة وقد خطب السير أو ليفرلوذج من أشهر علماء الطبيعة فى هذا العصر،
فى بلاد الإنكليز فى مجمع من كبار العلماء قال: إنه حادث الأموات، وإن هناك عقولا أسمى من عقولنا فى عالم الأرواح، وإنهم يهتمون بنا، وإن إخوانى من رجال الجماعة الروحية الذين ماتوا- كلمتهم بعد موتهم، وبرهنوا بأدلة قاطعة أنهم هم الذين يكلموننى، وقال: إن كل ما يقوله الأنبياء عن عالم الأرواح وعن الله فهو حق بلا تأويل.
وجاء فى كتاب «إخوان الصفا» إن أرواح الأحياء بعد الموت هم الموسوسون إن كانوا أشرارا، وهم الملهمون الناس الخير إن كانوا أخيارا.
وقال شير محمد الهندي فى كتابه فى المجلس السابع: لقد جمعت بين ما جاء به الدين الإسلامى والكشف الحديث كقولهم: إن كل علم وكل خير وشر حاصل فى الأفئدة منشؤه الأرواح الفاضلة والأرواح الناقصة، وهو بعينه ما
جاء فى الحديث: «فى القلب لمّتان لمّة من الملك ولمّة من الشيطان»
وهذا مصداق لقوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ». والعجب أن الفرنجة يكشفون هذا ولا يعلمون أنه مصداق دين الإسلام اه.
واعلم أن ما جاء فى هذه السورة من السمعيات التي لا دليل عليها من العقل قد بقي فى الإسلام حوالى أربعة عشر قرنا تتلقاه الأمة بالقبول جيلا بعد جيل دون بحث عن حقائقه حتى عنى علماء أوربا فى العصر الحديث بالبحث عنه، فظهر لهم أن الأرواح الناقصة تسمع كلام الناس وتهتدى به، وأنها لا تعرف ما فوق طاقتها، فلا تهتدى بهدى الأرواح العالية فالنبىّ ﷺ مثلا قد ارتقى فى العلم إلى حد لا يمكن الأرواح الناقصة أن تتعلم منه فما أشبه حالهم بحال الجهال الذين يسمعون من أبنائهم المتعلمين العلم ولا يفهمونه، وما مثل حال الأرواح الناقصة بعد الموت إلا مثل حالها المشاهدة فى الدنيا، فإنا نرى الجهال لا يجلسون فى مجالس العلم إلا قليلا حين يتنزل العلماء لإصلاح حالهم، ولا يظهر لهم إلا القليل من ثمرات العلم، فهم فى الحياة الدنيا ممنوعون من السمع، وقد يشتد المنع إذا كان فى السماع مفسدة
كمعرفة الأسرار الحربية، والخطط السياسية التي ينبغى أن تبقى سرا مكتوما بين الدول، وهذا المنع الذي نشاهده أشبه بالمنع من استراق السمع، لأنه إنما كان لحفظ الدرجات، وهى المعارج لأربابها.
الإيضاح
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) أمر الله رسوله أن يظهر لأصحابه ما أوحى به إليه من قصص الجن، لما فى علمه من فوائد ومنافع للناس، منها:
(١) أن يعلموا أنه كما بعث عليه الصلاة والسلام إلى الإنس فقد بعث إلى الجن.
(٢) أن يعلموا أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
(٣) أن يعلموا أن الجن مكلفون كالإنس.
(٤) أن يعلموا أن المؤمن منهم يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان.
(٥) أن تعلم قريش أن الجن على تمردها لما استمعت القرآن عرفت إعجازه وآمنت به.
وظاهر الآية يدل على أنه عليه الصلاة والسلام علم استماعهم له بالوحى لا بالمشاهدة
وفى الصحيحين من حديث ابن عباس، ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، وإنما انطلق بطائفة من الصحابة لسوق عكاظ، وقد حيل بين الجن والسماء بالشهب، فقالوا: ما ذاك إلا لشىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ من ذهب منهم إلى تهامة بالنبي ﷺ وهو يصلى الفجر بأصحابه بنخلة، فلما استمعوا له قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء، ورجعوا إلى قومهم وقالوا يا قومنا إلخ، فأنزل الله عليه: «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ» الآيات، وقد كان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
وقد حكى الله عن الجن أشياء:
(١) (فَقالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كما جاء فى قولهم: «فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ»
إنا سمعنا كتابا بديعا يهدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فصدقنا به، ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك بالله.
(٢) (وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) أي وإنهم كما نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله نزهوا ربهم عن الزوجة والولد، لأن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها، ولأنها من جنس الزوج كما قال: «خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها»، والولد للتكثر والاستئناس به، والحاجة إليه حين الكبر وبقاء الذكر والشهرة كما قال:
| وكم أب علا بابن ذر اشرف | كما علت برسول الله عدنان |
والخلاصة- علا ملك ربنا وسلطانه أن يكون ضعيفا ضعف خلقه الذين يضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة أو ملامسة يكون منها الولد.
(٣) (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً) أي وإن الجهال من الجن كانوا يقولون قولا بعيدا عن الصواب، بنسبة الولد والصاحبة إليه تعالى.
(٤) (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أي وأنا كنا نظن أن لن يكذب أحد على الله تعالى، فينسب إليه الصاحبة والولد، ومن ثم اعتقدنا صحة قول السفيه، فلما سمعنا القرآن علمنا أنهم كانوا كاذبين، وهذا منهم بإقرار بأنهم إنما وقعوا فى تلك الجهالات بسبب التقليد، وأنهم إنما تخلصوا منها الاستدلال والبحث.
(٥) (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) أي وأن رجالا من الإنس كانوا يستعيذون فى الفقر برجال من الجن، فزادوا الجن بذلك طغيانا وغيّا، بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم. صفحة رقم 96
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي