واذكر اسم ربك عطف على قم الليل والمراد به دوام الذكر ليلا ونهارا بحيث يطرق إليه الفتور ولا يلحقه الذهول وذا لا يتصور باللسان فإن كل ما كان باللسان والجوارح من التسبيح والتحميد والصلاة والقراءة ونحو ذلك يتطرق إليه فتور النية فليس هو إلا ذكر القلب وهو حقيقة الذكر فإن الذكر عبارة عن طرد الغفلة كما يقتضيه المقابلة في قوله صلى الله عليه وسلم :( ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الغازين )١ فكل صلاة وتسبيح وقراءة كان عن قلب لاه فلا يعتد به فويل للمصلين ٤ الذين هم عن صلاتهم ساهون ٥ ٢ وإنما قلنا إن المراد عوام الذكر لأن العطف يقتضي المغايرة ومطلق الذكر يتضمنه قيام الليل وترتيل القرآن وحمل الكلام عليه أولى منه على التأكيد وقيل : معناه أن قل بسم الله الرحمان الرحيم عند ابتداء تلاوة القرآن.
مسألة :
أجمعوا على قراءة البسملة في أول الفاتحة وأول كل سورة ابتداء القارئ القراءة بها ولم يصلها بها قبلها سنة، واختلفوا في التسمية بين السورتين فكان ابن كثير وقالون وعاصم يبسملون بين كل سورتين في جميع القرآن ما خلا الأنفال وبراءة فإنه لا خلاف في ترك البسملة هناك والباقون لا يبسملون بين السور فأصحاب حمزة يصلون آخر كل سورة بأول الأخرى والمختار من مذهب ورش وعن أبي عمرو وابن عامر السكتة من غير قطع، وأما عند الابتداء بما بين السورة فالقارئ فيه مخير بين التسمية وتركها في مذهب الجميع هذا في القراءة خارج الصلاة وأما إذا قرأه في الصلاة فقال الشافعي هي آية من الفاتحة ومن كل سورة فيجب قراءتها مع الفاتحة ويسن قراءتها مع غيرها ويبسمل جهرا وقال الأئمة الثلاثة ليست هي جزءا من شيء من السور، قال أبو حنيفة هي آية من القرآن نزلت للفصل فلا يقرأ البسملة وعند مالك في الصلاة أصلا ولا مع الفاتحة ولا مع غيرها، وعند أبي حنيفة وأحمد يسن قراءتها مع الفاتحة سرا ولا يقرأ مع غيرها من السور وفي رواية عن محمد يستحب أن يقرأ سرا مع كل سورة وقد ذكرنا في تفسير سورة الفاتحة الحجة على أنها ليست من الفاتحة ولا من شيء من السور وأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لم يجهروا بها في الصلاة، وقد ذكر الشافعية في الجهر بالتسمية تسعة أحاديث رواه دارقطني والخطيب أورد كلها ابن الجوزي، وقال ابن الجوزي قال الدارقطني كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر بالتسمية فليس بصحيح فأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف، وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمان الرحيم وكان مسيلمة يدعى رحمن اليمامة فقال أهل مكة إنما يدعوا محمد الله يمامة فأمر الله رسوله فأخفاها حتى مات. وهذا يدل على أن يجهر بها، وقدم الجهر بالبسملة مروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن المغفل وابن الزبير وابن عباس ومن كبار التابعين منهم الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وعمر وبن عبد العزيز والأعمش والثوري وإنما يرون خلاف هذا عن معاوية وعطاء وطاوس ومجاهد كذا قال ابن الجوزي وتبتل أي انقطع عما سواه إليه تعالى تبتيلا مصدر من غير بابه وضع موضع تبتلا لرعاية الفواصل والإشارة إلى أن التبتل في الغالب أمر كسبي يحتاج إلى تعمق واجتهاد فالتبتيل مقدم على التبتل ومن ثم قال الحسن في تفسيرها اجتهد، وقال ابن زيد التبتل رخص الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله فكأنه قال : تبتل قلبك عما سوى ربك تبتيلا فتبتل لله تعالى وليس المراد بالتبتل ترك الملاقاة بالناس أو التقصير في أداء حقوق العباد أو قطع نحو ذلك مما أمر الله به أن يوصل إذ لا رهبانية في الدين وإن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولضيفك عليك حقا بل المراد به قطع العلاقة الحسية والعلمية عن القلب وهو معنى القلب، قالت الصوفية العلية الطريق الذي نحن بصدده قطعه خطوتان الخطوة الأولى الانقطاع عن الخلق والثانية الوصول إلى الحق وأحدهما لازم للآخر ومن ثم ذكر الله سبحانه كلا الخطوتين بالعطف بالواو الذي هي للجمع وقدم قوله : واذكر اسم ربك الذي هو عبارة عن الوصول إلى الحق على التبتل لأنه هو المقصود بالتبتل وإنما قلنا إنه عبارة عن الوصول لأن الذكر الذي لا يتطرق إليه الفتور ولا يستعقبه الذهول هو العلم الحضوري إذ لا يتصور ذلك في العلم الحصولي بداهة والعلم الحضوري عبارة عن حضور نفس المعلوم عند العالم وذلك يعبر بدوام الحضور والوصول والاتصال والاتحاد والبقاء ونحو ذلك بألفاظ شتى وكانت الأوائل يعبرون عنها بالإخلاص قال بن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أخلص الله إخلاصا وإنما قال : واذكر اسم ربك ولم يقل واذكر ربك لأن الملازم للتبتل الذي هو المعبر بالفناء وإنما هو علم الأسماء والصفات دون العلم المتعلق بالذات فإنه بعد وراء الوراء، ويحتمل أن يكون المراد بالذكر الذكر باللسان بموافقة القلب وبدوام الذكر الدوام العرفي بمعنى الإكثار بقدر الطاقة البشرية وذلك يفضي إلى التبتل ووسيلة إليه بشرط الاجتباء عن الله تعالى كما يكون للأنبياء والأفراد من الأولياء أو جذب من الشيخ وعلى هذا وجه التقديم على التبتل أظهر تقدم طبعا، واعلم أن على هذا التأويل في قوله تعالى : واذكر اسم ربك إشارة إلى تكرير اسم الذات وفي قوله تعالى : رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو على قراءة الجر إشارة إلى التصور إحاطته تعالى بالممكنات ذكر النفي والإثبات وكلا التكريرين أساسان بطريقة أرباب كمالات الولايات وعلى هذا التأويل يثبت المغايرة بين المعطوف عليه أعني قم الليل ورتل القرآن واذكر اسم ربك ويظهر أن كلا من الأمور الأربعة الصلاة وتلاوة القرآن وذكر اسم الذات والنفي والإثبات مدار لحصول مراتب القرب والدرجات غير أن اللأولين لأهل الانتهاء والآخرين لأهل الابتداء وإنما قدم الأولين على الآخرين لأن المخاطب أولا هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل أهل الانتهاء والله تعالى أعلم.
انظر: مجمع الزوائد في كتاب: الأذكار، باب: ذكر الله تعالى في الغافلين (١٦٧٩٣)..
٢ سورة الماعون، الآية: ٤ -٥..
التفسير المظهري
المظهري