ﭿﮀ

وينتقل من هذا التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من المكذبين ؛ يبدو أنه كان له دور رئيسي خاص في التكذيب والتبييت للدعوة ؛ فيوجه إليه تهديدا ساحقا ماحقا، ويرسم له صورة منكرة تثير الهزء والسخرية من حاله وملامح وجهه ونفسه التي تبرز من خلال الكلمات كأنها حية شاخصة متحركة الملامح والسمات :
( ذرني ومن خلقت وحيدا، وجعلت له مالا ممدودا، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أزيد ! كلا ! إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا. إنه فكر وقدر. فقتل ! كيف قدر ؟ ثم قتل ! كيف قدر ؟ ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال : إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر. وما أدراك ما سقر ؟ لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر، عليها تسعة عشر... )..
وقد وردت روايات متعددة بأن المعني هنا هو الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثورة، عن معمر، عن عبادة بن منصور، عن عكرمة، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال له : أي عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا : قال : لم ؟ قال : يعطونكه، فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله [ يريد بخبث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أن الوليد أشد بها اعتزازا ] قال : قد علمت قريش أني أكثرها مالا ! قال : فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له ! قال : فماذا أقول فيه ؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن ! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا. والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى.. قال : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه.. قال : فدعني حتى أفكر فيه.. فلما فكر قال : إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره. فنزلت : ذرني ومن خلقت وحيدا - حتى بلغ - عليها تسعة عشر.
وفي رواية أخرى أن قريشا قالت : لئن صبأ الوليد، لتصبون قريش كلها ! فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه ! ثم دخل عليه !.. وأنه قال بعد التفكير الطويل : إنه سحر يؤثر. أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه ؟
هذه هي الواقعة كما جاءت بها الروايات. فأما القرآن فيسوقها هذه السياقة الحية المثيرة.. يبدأ بذلك التهديد القاصم الرهيب.
ثم هي تتعرض للبشر وتلوح :( لواحة للبشر ).. كما قال في سورة المعارج :( تدعوا من أدبر وتولى ).. فهي تدل على نفسها، وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس، بمنظرها المخيف !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير