قوله : عُذْراً أَوْ نُذْراً . فيهما أوجه :
أحدها : أنهما بدلان من «ذِكْراً ».
الثاني : أنهما منصوبان به على المفعولية، وإعمال المصدر المنون جائز، ومنه أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [ البلد : ١٤، ١٥ ].
الثالث : أنهما مفعولان من أجلهما، والعامل فيهما، إما «المُلقيَات »، وإما «ذِكراً » ؛ لأن كُلاًّ منهما يصلح أن يكون معلولاً١ بأحدهما.
وحينئذ يجوز في «عُذْراً »، ونذراً «وجهان :
أحدهما : أن يكونا مصدرين - بسكون العين - كالشُّكْر والكُفْر.
والثاني : أن يكونا جمع عذير، ونذير، المراد بهما المصدر، بمعنى الإعذار والإنذار، كالنكير بمعنى الإنكار.
الثالث٢ : أنهما منصوبان على الحال من «الملقيات » أو من الضمير فيها، وحينئذ يجوز أن يكونا مصدرين واقعين موقع الحال، بالتأويل المعروف في أمثاله، وأن يكونا جمع «عذير ونذير » مراداً بهما المصدر، أو مراداً بهما اسم الفاعل بمعنى المعذر والمنذر، أي : معذرين، أو منذرين.
وقرأ العامة : بسكون الذَّال من عُذْراً أَوْ نُذْراً .
وقرأ زيد٣ بن ثابت، وابن خارجة، وطلحة : بضمها.
والحرميَّان، وابن عامر، وأبو بكر٤، بسكونها في «عُذْراًَ » وضمها في «نُذْراً »، والسكون والضم - كما تقدم - في أنه يجوز أن يكون كل منهما أصلاً للآخر، وأن يكونا أصلين، ويجوز في كل من المثقّل والمخفّف أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً سكنت عينه تخفيفاً.
وقرأ إبراهيم التيمي٥ :«عُذْراً ونُذْراً » بواو العطف موضع «أو »، وهي تدل على أن «أو » بمعنى الواو.
فصل في معنى الآية
والمعنى : يلقي الوحي إعذاراً من الله تعالى وإنذاراً إلى خلقه من عذابه. قاله الفراء.
وروي عن أبي صالحٍ قال : يعني الرسل يعذرون وينذرون.
وروى سعيد عن قتادة :«عُذْراً » قال : عذراً لله - تعالى - إلى خلقه، ونذراً للمؤمنين ينتفعون به ويأخذون به٦، وروى الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - :«عُذْراً » أي : ما يقبله الله - تعالى - من معاذير أوليائه، وهي التوبة «أو نُذْراً » ينذر أعداءه٧.
قال ابن الخطيب٨ : اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفة، فالأول فيه وجوه :
أحدها : أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - إما لإيصال النِّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله تعالى :«عُرْفاً» إما أن يكون العُرْف هو الذي ضد النُّكر، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفَّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التَّتابع، وقوله تعالى : فالعاصفات عَصْفاً فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح، أو يعصفون بروح الكافرِ، يقال : عصف بالشيء إذا أباده، وقوله تعالى : والناشرات نَشْراً أي : أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً أي : أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله : فالملقيات ذِكْراً أي أنهم يلقون الذِّكرَ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا [ القمر : ٢٥ ]، وهذا المُلْقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمِّي باسم الجمع تعظيماً له.
واعلم أن الملائكة أقسام : قسمٌ يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسمٌ يرسل لكتابة أعمال بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من سماءٍ إلى سماءٍ.
الوجه الثاني : أن المراد بهذه الكلمات الخمس : الرياح، أقسم الله - تعالى - بالرياح عند إرسالها عُرْفاً، أي : متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتدّ حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى : يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : ٥٧ ]، وهو المراد بقوله تعالى : والناشرات نَشْراً أي : أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً أي : أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو أنها تخرب بعض القرى، وذلك يصير سبباً لظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرّق الخلق فمن مقرّ خاضع، ومن منكر جاحد.
وقوله تعالى : فالملقيات ذِكْراً أي : أن العاقل إذا شاهد هبوب تلك الرياح التي تقلع القِلاَع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار تمسَّك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذِّكر والإيمان والعبودية في القلب.
الوجه الثالث : قال ابن الخطيب٩ : من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : عُرْفاً أي هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد ب «العاصفات عصفاً» أن دولة الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفةً في أولها، ثم عظُمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدُّول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة.
والمراد ب «النَّاشِرات نَشْراً»، أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن فرَّقت بين الحقِّ والباطل، ولذلك سمِّي القرآن فرقاناً، والمراد ب «الملقيات ذكراً» أن القرآن ذكر، قال تعالى : ص والقرآن ذِي الذكر [ ص : ١ ] وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : ٤٤ ] وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ [ الأنبياء : ٥٠ ] وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [ الحاقة : ٤٨ ].
الوجه الرابع : قاله ابن الخطيب١٠ : ويمكن حملها أيضاً على بعثة الرُّسل، فالمراد ب «المرسلات عرفاً» هم المُرسَلُون بالوَحْي المشتمل على كُلِّ خير ومعروف، فالعاصفات عَصْفاً أن كل أمر لكل رسول يكون في أول أمره حقيراً ضعيفاً، ثم يشتدّ ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح والناشرات نَشْراً انتشار دينهم، فالفارقات فَرْقاً أنهم يفرقون بين الحق والباطل، فالملقيات ذِكْراً أنهم يأمرونهم بالذكر ويحثُّونهم عليه.
الاحتمال الثاني : وهو ألاَّ يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئاً واحداً، وفيه وجوه :
أحدها : قال الزجاج، واختاره القاضي : أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، والعاصفات : ما اشتدّ عنها، والنَّاشرات : ما ينشر السحاب، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً هم الملائكة الذي يُفرِّقُون بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمَّلونه من القرآن والوحي، وكذا قوله : فالملقيات ذِكْراً أنها الملائكة المتحمِّلون للذِّكر الذي يلقونه إلى الرسل.
فإن قيل : ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسمِ ؟.
قلت : الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح.
وثانيها : أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم الملائكة ؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران :
الأول : حصول الفرق بين المحق والمبطل.
والثاني : ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال : والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً ، ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فقال :«والنَّاشِرَاتِ» وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة.
قال ابن الخطيب١١ : ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائكة، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً ملائكة الرَّحمة، وقوله تعالى : فالعاصفات عَصْفاً ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن ؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرّق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة.
فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم
قال القفالُ : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبنيّ على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلُّق، فإذا قيل : قام زيد فذهب، فالمعنى : أنه قام ليذهب، فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، فإذا قيل : قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال رحمه الله لما مهد هذا الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه.
قال ابن الخطيب١٢ : وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا الأصل فأقول : أما من جعل الأولين صفة لشيءٍ، والثلاثة الأخيرة صفاتٍ لشيء واحدٍ، فنقول : إن حملناها على الملائكة فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يلقون الوحي إلا الرُّسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يردون الأنبياء في أول الأمر فيكذبونهم وينسبونهم إلى السحر والجنون، فلا جرم أن يذكر الفاء التي تفيد التعقيب، بل ذكر الواو، وإذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذلك الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - والله أعلم - قال : يا محمد، أنا أرسلت إليك الملك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة وخير، ولكن لا تطمع في أن ينتشر ذلك الأمر في الحال، ولكن لا بد من الصَّبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة اجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق، فتصير الأديان باطلة، ضعيفة، ساقطة، ودينك الحق ظاهراً عالياً، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر مناسبة سائر الوجوه.
٢ في أ: الرابع..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤١٧، والبحر المحيط ٨/٣٩٦، والدر المصون ٦/٤٥٤..
٤ ينظر: السبعة ٦٦٦، والحجة ٦/٣٦٢، وإعراب القراءات ٢/٤٢٦، وحجة القراءات ٧٤٢..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤١٧، والدر المصون ٦/٤٥٤..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٨٢)..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٠٢)..
فصل في المراد بهذه الكلمات الخمس
قال ابن الخطيب٨ : اعلم أن هذه الكلمات الخمس، إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً، أو أجناساً مختلفة، فالأول فيه وجوه :
أحدها : أن المراد بها الملائكة والمرسلات هي الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - إما لإيصال النِّعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين، وقوله تعالى :«عُرْفاً» إما أن يكون العُرْف هو الذي ضد النُّكر، فإن كانوا الملائكة المبعوثين للرحمة، فالمعنى فيهم ظاهر وإن بعثوا للعذاب فذلك العذاب وإن لم يكن معروفاً للكفَّار فإنه معروف للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والمؤمنين، أو يكون العرف التَّتابع، وقوله تعالى : فالعاصفات عَصْفاً فمعناه أن الملائكة عصفوا في طيرانهم كعصف الرياح، أو يعصفون بروح الكافرِ، يقال : عصف بالشيء إذا أباده، وقوله تعالى : والناشرات نَشْراً أي : أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض، أو نشروا الرحمة والعذاب، أو المراد الملائكة الذين ينشرون الكتب التي فيها أعمال بني آدم يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً أي : أنهم يفرقون بين الحق والباطل، وقوله : فالملقيات ذِكْراً أي أنهم يلقون الذِّكرَ إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والمراد بالذكر إما العلم والحكمة أو القرآن، لقوله تعالى : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا [ القمر : ٢٥ ]، وهذا المُلْقي وإن كان جبريل وحده إلا أنه سمِّي باسم الجمع تعظيماً له.
واعلم أن الملائكة أقسام : قسمٌ يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، وقسمٌ يرسل لكتابة أعمال بني آدم، وقسم يرسل لقبض الأرواح، وقسم يرسل بالوحي من سماءٍ إلى سماءٍ.
الوجه الثاني : أن المراد بهذه الكلمات الخمس : الرياح، أقسم الله - تعالى - بالرياح عند إرسالها عُرْفاً، أي : متتابعة، كشعر العرف، ثم إنها تشتدّ حتى تصير عواصف ورياح رحمة تنشر السحاب في الجو، قال الله تعالى : يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [ الأعراف : ٥٧ ]، وهو المراد بقوله تعالى : والناشرات نَشْراً أي : أنها تنشر السحاب، أو أنها تلقح الأشجار والنبات، فتكون ناشرة، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً أي : أنها تفرق بين أجزاء السحاب، أو أنها تخرب بعض القرى، وذلك يصير سبباً لظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه، أو أنها عند هبوبها تفرّق الخلق فمن مقرّ خاضع، ومن منكر جاحد.
وقوله تعالى : فالملقيات ذِكْراً أي : أن العاقل إذا شاهد هبوب تلك الرياح التي تقلع القِلاَع وتهدم الصخور والجبال، وترفع أمواج البحار تمسَّك بذكر الله - تعالى - والتجأ إلى إعانة الله - تعالى - فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذِّكر والإيمان والعبودية في القلب.
الوجه الثالث : قال ابن الخطيب٩ : من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً المراد منه الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : عُرْفاً أي هذه الآيات نزلت بكل عرف وخير، كيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة الموصلة إلى مجامع الخيرات، والمراد ب «العاصفات عصفاً» أن دولة الإسلام والقرآن إن كانت ضعيفةً في أولها، ثم عظُمت وقهرت سائر الملل والأديان، فكأن دولة القرآن عصفت سائر الدُّول والملل والأديان وقهرتها، وجعلتها باطلة دائرة.
والمراد ب «النَّاشِرات نَشْراً»، أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن نشرت الحِكَم والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً.
والمراد ب «الفارقات فرقاً» أن آيات القرآن فرَّقت بين الحقِّ والباطل، ولذلك سمِّي القرآن فرقاناً، والمراد ب «الملقيات ذكراً» أن القرآن ذكر، قال تعالى : ص والقرآن ذِي الذكر [ ص : ١ ] وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : ٤٤ ] وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ [ الأنبياء : ٥٠ ] وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [ الحاقة : ٤٨ ].
الوجه الرابع : قاله ابن الخطيب١٠ : ويمكن حملها أيضاً على بعثة الرُّسل، فالمراد ب «المرسلات عرفاً» هم المُرسَلُون بالوَحْي المشتمل على كُلِّ خير ومعروف، فالعاصفات عَصْفاً أن كل أمر لكل رسول يكون في أول أمره حقيراً ضعيفاً، ثم يشتدّ ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح والناشرات نَشْراً انتشار دينهم، فالفارقات فَرْقاً أنهم يفرقون بين الحق والباطل، فالملقيات ذِكْراً أنهم يأمرونهم بالذكر ويحثُّونهم عليه.
الاحتمال الثاني : وهو ألاَّ يكون المراد من هذه الكلمات الخمس شيئاً واحداً، وفيه وجوه :
أحدها : قال الزجاج، واختاره القاضي : أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، والعاصفات : ما اشتدّ عنها، والنَّاشرات : ما ينشر السحاب، وقوله تعالى : فالفارقات فَرْقاً هم الملائكة الذي يُفرِّقُون بين الحقِّ والباطل والحلال والحرام بما يتحمَّلونه من القرآن والوحي، وكذا قوله : فالملقيات ذِكْراً أنها الملائكة المتحمِّلون للذِّكر الذي يلقونه إلى الرسل.
فإن قيل : ما المجانسة بين الريح وبين الملائكة حتى جمع بينهما في القسمِ ؟.
قلت : الملائكة روحانيّون فهم سبب طاقاتهم وسرعة حركاتهم كالرياح.
وثانيها : أن الآيتين الأوليين هما الرياح، والثلاثة الباقية منهم الملائكة ؛ لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران :
الأول : حصول الفرق بين المحق والمبطل.
والثاني : ظهر الله في القلوب والألسنة، ويؤكد هذا أنه قال : والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً ، ثم عطف الثاني على الأول بحرف الواو، فقال :«والنَّاشِرَاتِ» وعطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة.
قال ابن الخطيب١١ : ويمكن أن يكون المراد بالأولين الملائكة، فقوله تعالى : والمرسلات عُرْفاً ملائكة الرَّحمة، وقوله تعالى : فالعاصفات عَصْفاً ملائكة العذاب، والثلاثة الباقية آيات القرآن ؛ لأنها تنشر الحق في القلوب والأرواح، وتفرّق بين الحق والباطل، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة.
فصل في وجه دخول الفاء والواو في جواب القسم
قال القفالُ : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، والواو في بعض مبنيّ على أصل، وهو أن عند أهل اللغة أن الفاء تقتضي الوصل والتعلُّق، فإذا قيل : قام زيد فذهب، فالمعنى : أنه قام ليذهب، فكان قيامه سبباً لذهابه ومتصلاً به، فإذا قيل : قام وذهب، فهما خبران، وكل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال رحمه الله لما مهد هذا الأصل، فرع عليه الكلام في هذه الآية بوجوه.
قال ابن الخطيب١٢ : وتلك الوجوه لا يميل القلب إليها، وأنا أنوع على هذا الأصل فأقول : أما من جعل الأولين صفة لشيءٍ، والثلاثة الأخيرة صفاتٍ لشيء واحدٍ، فنقول : إن حملناها على الملائكة فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعاً، وذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يلقون الوحي إلا الرُّسل لا يصير في الحال ذلك الدين مشهوراً منتشراً، بل الخلق يردون الأنبياء في أول الأمر فيكذبونهم وينسبونهم إلى السحر والجنون، فلا جرم أن يذكر الفاء التي تفيد التعقيب، بل ذكر الواو، وإذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل وظهور ذلك الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - والله أعلم - قال : يا محمد، أنا أرسلت إليك الملك بالوحي الذي هو عنوان كل سعادة وخير، ولكن لا تطمع في أن ينتشر ذلك الأمر في الحال، ولكن لا بد من الصَّبر وتحمل المشقة، ثم إذا جاء وقت النصرة اجعل دينك ظاهراً منتشراً في شرق العالم وغربه، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق، فتصير الأديان باطلة، ضعيفة، ساقطة، ودينك الحق ظاهراً عالياً، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، وفي المحاريب وعلى المنابر، ومن عرف هذا الوجه أمكنه ذكر مناسبة سائر الوجوه.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود