المعنى الجملي : كان المشركون كلما اجتمعوا في ناد من أنديتهم أخذوا يتحدثون في شأن الرسول وفيما جاء به ويسأل بعضهم بعضا، ويسألون غيرهم فيقولون : أساحر هو أم شاعر أم كاهن أم اعتراه بعض آلهتنا بسوء ؟، ويتحدثون في شأن القرآن : أسحر هو أم شعر أم كهانة ؟ ويقول كل واحد ما شاء له هواه، والرسول سائر قدما في تبليغ رسالته، وأمامه مصباحه المنير الذي يضيء للناس سبيل الرشاد، وهو كتابه الكريم، كما كانوا يتحدثون في شأن البعث، ويأخذ الجدل بينهم كل مأخذ ؛ فمنهم من ينكرونه البتة، ويزعمون أنهم إذا ماتوا انتهى أمرهم، وما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر ؛ ومنهم من كانوا يزعمون أنهم إنما تبعث أرواحهم لا أجسامهم بعد أن تأكلها الأرض، وتعبث بها يد البلى.
وربما لقي أحدهم بعض من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فيسائله عن ذلك استهزاء وسخرية.
وفي هؤلاء وأشباههم نزلت هذه السورة ردا عليهم وتكذيبا لهم، وإقامة للحجة ؛ على أن الله قادر على أن يبعثهم بعد موتهم وإن صاروا ترابا، أو أكلتهم السباع، أو احتوتهم البحار فكانوا طعاما للسماك، أو أحرقتهم النيران فطاروا مع الريح.
وقد ذكر لهم من مظاهر قدرته أمورا تسعة يشاهدونها بأعينهم لا يخفى عليهم شيء منها :
( ١ ) انبساط الأرض وتمهيدها لتصلح لسير الناس والأنعام.
( ٢ ) سموق الجبال صاعدة في الجو.
( ٣ ) تنوع الآدميين إلى ذكور وإناث.
( ٤ ) جعل النوم راحة للإنسان من عناء الأعمال التي يزاولها عامة نهاره.
( ٥ ) جعل الليل ساترا للخلق.
( ٦ ) جعل النهار وقتا لشؤون الحياة والمعاش.
( ٧ ) ارتفاع السماوات فوقنا مع إحكام الوضع ودقة الصنع.
( ٨ ) وجود الشمس المنيرة المتوهجة.
( ٩ ) نزول المطر وما ينشأ عنه من النبات.
فكل ذلك داع لهم أن يعترفوا أن من قدر على كل هذا فلا تعجزه إعادتهم إلى النشأة الآخرة.
شرح المفردات : والحب : ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير، والنبات : ما تقتات به الدواب من التين والحشيش، والجنات : واحدها جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل، والجنات الألفاف : الملتفة الأغصان لتقاربها وطول أفنانها، ولا واحد لها كالأوزاع والأخياف، وقيل واحدها لف ( بكسر اللام وفتحها ) وقال أبو عبيدة : واحدها لفيف كشريف وأشرف.
ثم بين عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال :
لنخرج به حبا ونباتا* وجنات ألفافا أي لنبدل بوساطته جدب الأرض خصبا، فنخرج من الأرض حبا يقتات به الناس كالحنطة والشعير، ونباتا تقتات به الدواب، وحدائق ذات أغصان ملتفة.
وقد جمع الله هذه الآية جميع أنواع ما تنبته الأرض، فإن ما يخرج منها إما أن يكون ذا ساق أو لا ؛ والأول إذا اجتمع بعضه إلى بعض وكثر حتى التف فهو الحديقة ؛ والثاني إما أن يكون له أكمام فيها حب، وإما أن يكون بغير ذلك وهو النبات، وقدم الحب لأنه غذاء أشرف أنواع الحيوان وهو الإنسان، وأعقبه بذكر النبات، لأنه غذاء بقية أنواع الحيوان، وأخر الحدائق لأن الفاكهة مما يستغني عنها الكثير من الناس.
وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.
تفسير المراغي
المراغي