نفخة ثانية، فـ " يوم " بدل من " يوم الفصل "، أو عطف بيان له، مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله في تأخير الفصل، فإنه زمان ممتد، في مبدئه النفحة، وفي بقيته الفصل وآثاره.
والصُور : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لمّا خلق الله السموات والأرض خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضع له على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، حتى يؤمر بالنفخ فيه، فيؤمر به، فينفخ نفخةً لا يبقى عندها في الحياة غير ما شاء الله، وذلك قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ. . . [ الزمر : ٦٨ ] الآية، ثم يؤمر بأخرى، فينفخ نفخة لا يبقى معها ميت إلاَّ بُعث وقام، وذلك قوله تعالى : ثُمََّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [ الزمر : ٦٨ ].
والفاء في قوله تعالى : فتأتون فصيحة تفصح عن جملة حُذفت ثقةً بدلالة الحال عليها، وإيذاناً بغاية سرعة الإتيان، كما في قوله تعالى : أنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ [ الشعراء : ٦٣ ] أي : فتبعثون من قبوركم فتأتون عقب ذلك من غير لبث أفواجاً ؛ جماعات مختلفة الأحوال، متباينة، الأوضاع، حسب اختلاف أعمالكم وتباينها، مِن راكب، وطائر، وماش خفيف وثقيل، ومكب على وجهه، وغير ذلك من الأحوال العظيمة، أو : أمماً، كل أمة مع رسولها، كما في قوله تعالى : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناَسِ بِإِمَامِهْم [ الكهف : ٤٧ ].
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي