جزاء من ربك مصدر فعل محذوف مؤكد بجملة وقعت قبله كما ذكرنا في قوله تعالى : جزاء وفاقا ٢٦ عطاء مصدر كذلك أي يجزون جزاء أو يعطون عطاء حسابا صفة لعطاء بمعنى كافيا وافيا من أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي قال ابن عتبة عطاء حسابا أي كثيرا فعلى هذا يكون تأكيدا لنفسه من قبيل الله أكبر دعوة الحق وله علي ألف اعترافا، وقيل حسابا معناه على حسب الأعمال وقدرها في القاموس هذا بحسبه أي بعدده على هذا يستقيم المقابلة بما سبق جزاء وفاقا يعني الطاغون يجزون جزاء موافقا لأعمالهم وأباطيلهم والمتقون يجزون جزاء على حسب أعمالهم وقدرها قلت بل على حسب مشيئة الله تعالى وفضله لقوله تعالى : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ١ وعلى حسب إخلاص العالمين ومراتب قربهم، فإن المقربين يعطون الآجر على القليل من العمل لا يعطي الأبرار على الكثير لما روى الشيخان في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه )٢ وهذا التفاوت فيما بين المقربين على تفاوت درجات قربهم قال المجدد رضي الله عنه : الصحابة كانوا كلهم مستغرقين في التجليات الذاتية الدائمة بكمالات النبوة وكثيرا من التابعين وقليل من أتباعهم كانوا كذلك وهم المقربون وبعد القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير انطفت أنوار تلك الدولة العظمى ودرست آثارها ثم بعد مضي ألف سنة من الهجرة خلق الله سبحانه بعض الكرام وأعطاهم كمالات مثل كمالات الأولين كما نطق به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :( مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره )٣ رواه الترمذي عن أنس شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر هذه الأمة بأوله بحيث لا يدري أيها خير من الآخر وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أبشروا بشروا إن مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى آخره خير أم أوله أو كحديقة أطعم منها فوج عاما وفوج عاما لعل آخرها أفواجا يكون أعرضهم عرضا وعمقهم عمقا وأحسنهم حسنات ) الحديث رواه البيهقي ورواه رزين وعن صحابي بهم سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول :( سيكون في آخر هذه الأمة قوم لهم أجر مثل أجر أولهم )، رواه البيهقي في دلائل النبوة وعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى : جزاء من ربك عطاء حسابا ٣٦ تأكيدا الغيرة كما ذكرت في جزاء وفاقا والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو كنت متخذا خليلا) (٣٦٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم (٢٥٤٠)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الأمثال (٢٨٦٩)..
التفسير المظهري
المظهري