وجعلنا نَومكم سُباتاً أي : راحة لكم، أو : قطعاً للأعمال والتصرُّف، فتريحون أبدانكم به من التعب. والسبْت : القطع. أو : موتاً ؛ لِما بينهما من المشاكلة التامة في انقطاع أحكام الحياة، وعليه قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّليْلِ [ الأنعام : ٦٠ ] وقوله :
اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [ الزمر : ٤٢ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ألم نجعل أرضَ البشرية مِهاداً للعبودية والقيام بآداب الربوبية، وجبالَ العقل أوتاداً، يسكنونها لئلا يميلها الهوى عن الاعتدال في الاستقامة وخلقناكم أزواجاً أصنافاً ؛ عارفين وعلماء، وعُبَّاداً وزُهَّاداً، وصالحين وجاهلين، وعصاة وكافرين، وجعلنا نومَكم، أي : سِنَتكم عن الشهود، بالميل إلى شيء من الحس في بعض الأوقات، سُباتاً، أي : راحة للقلوب، لأنَّ دوام التجلَّي يمحقُ البشرية، وفي الأثر :" رَوِّحوا قلوبكم بشيءٍ من المباحات " أو كما قال عليه الصلاة والسلام. أو : نومَكم الحسي راحة للأبدان، لتنشط للعبادة، وجعلنا ليل القطيعة لباساً ساتراً عن الشهود، وجعلنا نهارَ العيان معاشاً ؛ حياة للأرواح والأسرار، وبنينا فوقكم سبعَ مقامات شِداداً صعاباً، فإذا قطعتموها وترقيتم عنها أفضيتم إلى فضاء الشهود، وهي التوبة النصوح، والورع، والزهد، والصبر على مجاهدة النفس، وخرق عوائدها، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، وجعلنا في قلوبكم بعد هذه المقامات سِراجاً وهّاجاً، وهي شمس العرفان لا تغرب أبداً، وأنزلنا من سماء الغيوب ماء ثجّاجاً، تحيى به الأرواح والأسرار، وهو ماء الواردات الإلهية، والعلوم اللدنية، لنُخرج به حبًّا ؛ حِكماً لقوت الأرواح، ونباتاً ؛ علوماً لقوت النفوس، وجنات : بساتين التوحيد، مشتملة على أشجار ثمار الأذواق وظلال التقريب.