ﮢﮣ ﮥﮦ ﮨﮩ ﮫﮬ

تفسير سورة النازعات
خمس او ست وأربعون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً الواو للقسم والقسم يدل على عظم شأن المقسم به ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على ذلك العظم والنازعات جمع نازعة بمعنى طائفة من الملائكة نازعة فأنثت صفة الملائكة باعتبار كونهم طائفة ثم جمعت تلك الصفة فقيل نازعات بمعنى طوائف من الملائكة نازعات وقس عليه الناشطات نحوه وإلا فكان الظاهر أن يقال والنازعين والناشطين والنزع جذب الشيء من مقره بشدة والغرق مصدر بحذف الزوائد بمعنى الإغراق وهو بالفارسية غرقه كردن وكمان بزور كشيدن. والغرق الرسوب فى الماء وفى البلاء فهو مفعول مطلق للنازعات لانه نوع من النزع فيكون شرطه موجودا وهو اتفاق المصدر مع عامله والإغراق فى النزع التوغل فيه والبلوغ الى أقصى درجاته يقال أغرق النازع فى القوس إذا بلغ غابة المد حتى انتهى الى النصل أقسم الله بطوائف الملائكة التي تنزع أرواح الكفار من أجسادهم إغراقا فى النزع يعنى جان كافران بسختى نزع ميكنند. وايضا يتزعونها منهم معكوسا من الأنامل والأظفار ومن تحت كل شعرة كما تنزع الأشجار المتفرقة العروق فى أطراف الأرض وكما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول وكما يسلخ جلد الحيوان وهو حى وكما يضرب الإنسان ألف ضربة بالسيف بل أشد والملائكة وهم ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب يطعنونهم بحربة مسمومة بسم جهنم والميت يظن أن بطنه قد ملئ شوكا وكأن نفسه تخرج من ثقب ابرة وكأن السماء انطبقت على الأرض وهو بينهما فاذا نزعت نفس الكافر وهى ترعد أشبه شىء بالزئبق على قدر النحلة وعلى صورة عمله تأخذها الزبانية ويعذبونها فى القبر وفى سجين وهو العذاب الروحاني ثم إذا قامت القيامة انضم الجسماني الى الروحاني فقوله والنازعات غرقا اشارة الى كيفية قبض أرواح الكفار بشهادة مدلول اللفظ وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً قسم آخر معنى بطريق العطف والنشط جذب الشيء من مقره برفق ولين ونصب نشطا على المصدرية اقسم الله بطوائف الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين اى تخرجها من أبدانهم برفق ولين كما تنشط الداو من البئر يقال نشط الدلو من البئر ذا أخرجها وكما تنشط الشعرة من السمن وكما تنسل القطرة من السقاء وهم ملك الموت وأعوانه من ملائكة الرحمة ونفس المؤمن وان كانت تجذب من أطراف البنان ورؤس الأصابع ايضا لكن لا يحس بالألم كما يحس به الكافر وايضا نفس المؤمن ليس لها شده تعلق بالبدل كنفس الكافر لكونها منجذبة الى عالم القدس وانما يشتد الأمر على اهل التعلق دون اهل التجرد خصوصا إذا كان ممن مات بالاختيار قبل الموت وايضا حين يجذبونها يدعونها أحيانا حتى تستريح وليس كذلك أرواح الكفار فى قبضها لكن ربما يتعرض الشيطان للمؤمن الضعيف اليقين والقاصر فى العمل إذا بلغ الروح التراقى فيأنيه فى صورة أبيه وامه وأخيه او صديقه فيأمره باليهودية

صفحة رقم 314

او النصرانية او نحو ذلك نسأل الله السلامة (حكى) ان إبليس عليه اللعنة تمثل للنبى عليه السلام يوما وبيده قارورة ماء فقال أبيعه بايمان الناس حالة النزع فبكى النبي عليه السلام حتى بكت اهل بيته فأوحى الله تعالى اليه انى احفظ عبادى فى تلك الحالة من كيده والميت يرى الملائكة حينئذ على صورة اعماله حسنة او قبيحة فاذا أخذوا نفس المؤمن يلفونها فى حرير الجنة وهى على قدر النحلة وعلى صورة عمله ما فقد شىء من عقله وعلمه المكتسب فى الدنيا دل عليه قوله تعالى حكاية عن حبيب النجار الشهيد فى انطاكية قال يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين فيعرجون بها الى الهولء ويهيئون له اسباب التنعم فى قبره وفى عليين وهو النعيم الروحاني ثم إذا قام الناس من قبورهم ازداد النعيم بانضمام الجسماني الى الروحاني فقوله والناشطات نشطا اشارة الى كيفية قبض أرواح المؤمنين بشهادة اللفظ ومدلوله ايضا فان قيل قد ثبت ان النبي عليه السلام أخذ روحه الطيب ببعض شدة حتى قال واكرباه وقال لا اله الا الله ان للموت سكرات اللهم أعنى على سكرات الموت اى غمزاته وكان يدخل يده الشريفة فى قدح فيه ماء ثم يمسح وجهه المنور بالماء ولما رأته فاطمة رضى الله عنها يغشاه الكرب قالت وا كرب أبتاه فقال لها عليه السلام ليس على أبيك كرب بعد اليوم فاذا كان امر النبي عليه السلام حين انتقاله هكذا فما وجه ما ذكر من الرفق واللين أجيب بأن مزاجه الشريف كان اعدل الامزجة فأحس بالألم اكثر من غيره إذا لخفيف على الأخف ثقيل وايضا يحتمل أن يبتليه الله بذلك ليدعو الله فى أن يجعل الموت لامته سهلا يسيرا وايضا قد روى انه طلب من الله أن يحمل عليه بعض صعوبة الموت تخفيفا عن أمته فانه بالمؤمنين رؤف رحيم وايضا فيه تسلية أمته إذا وقع لاحد منهم شىء من ذلك الكرب عند الموت وايضا لكى يحصل لمن شاهد من اهله ومن غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم عليه من المشقة كما قيل بمثل ذلك فى حكمة ما يشاهد من حال الأطفال عند الموت من الكرب الشديد وايضا راحة الكمل فى الشدة لانها من باب الترقي فى العلوم والدرجات واقل الأمر للناقصين كفارة الذنوب فاهل الحقيقة لا شدة عليهم فى الحقيقة لاستغراقهم فى بحر الشهود وانما الشدة لظواهرهم والحاصل كما ان النار لا ترفع عن الدنيا والدنيا قائم فكذا الشدة لا ترفع عن الظواهر فى هذا الموطن وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً قسم آخر معنى ايضا بطريق العطف والسبح المر السريع فى الماء او فى الهولء وسبحا نصب على المصدرية اقسم الله بطوائف الملائكة التي تسبح فى مضيها اى تسرع فينزلون من السماء الى الأرض مسرعين مشبهين فى سرعة نزولهم بمن يسبح فى الماء وهذا من قبيل التعميم بعد التخصيص لان نزول الأولين انما هو لقبض الأرواح مطلقا ونزول هؤلاء لعامة الأمور والأحوال فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً عطف على السابحات بالفاء للدلالة على ترتب السبق على السبح بغير مهلة فالموصوف واحد ونصب سبقا على المصدرية اى التي تسبق سبقا الى ما أمروا به ووكلوا عليه اى يصلون بسرعة والسبق كناية عن الاسراع فيما أمروا به لان السبق وهو التقدم فى السير من لوازم الاسراع فالسبق هنا لا يستلزم وجود المسبوق إذ لا مسبوق

صفحة رقم 315

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية