ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

ثم قال جل وعلا : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون [ الأنفال : الآية ٣٦ ] قال بعض العلماء : نزلت هذه الآية في المطعمين في بدر الذين ينحرون عشرا أو تسعا، وقد ذكرناهم في ذكرنا لهذه الغزوة، وبينا أن المؤرخين يقولون : إن أول من نحر لهم : أبو جهل عشرا من الإبل، ثم نحر لهم أمية بن خلف تسعا بعسفان، ثم نحر لهم سهيل بن عمروا عشرا بقديد، ثم ذهبوا إلى المياه من ناحية الساحل، وأقاموا هناك يوما، فنحر لهم شيبة بن أبي ربيعة ذلك القدر من الإبل، ثم أصبحوا بالجحفة، فنحر لهم أخوه عتبة، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم منبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان المشهوران الذين هم ممن قتلوا يوم بدر، ثم نحر لهم العباس بن عبد المطلب ( رضي الله عنه )، ونحر لهم أبو البختري بن هشام عشرا على ماء بدر، فهذه الإبل التي ينحرون ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله.
وقال بعض العلماء : نزلت في أبي سفيان بن حرب، أنفق أربيعن أوقية على جماعة من الأحابيش – والأحابيش : جمع أحبوش، وهم جماعة متجمعون ساكنون في ظواهر مكة، أنفق عليهم – أربعين أوقية ليذهب معه جماعة منهم إلى أحد.
والذي عليه جمهور العلماء من المفسرين وأصحاب المغازي والتاريخ : أن هذه الآية من سورة الأنفال : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله [ الأنفال : الآية ٣٦ ] نزلت في قضية قريش مع عير أبي سفيان ؛ لأن عير أبي سفيان لما نجت وقتل من قتل من أشرافهم يوم بدر اجتمع أشراف قريش وطلبوا كل من كانت له تجارة تلك العير أن يمنحهم ذلك المال ليستعينوا به ويستعدوا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم طالبين منهم إدراك الثأر، فكانت إمكانيات أحد هي من أموال تجارات تلك العير، وأن ذلك هو معنى إنفاقهم ليصدوا عن سبيل الله. هذا هو الأصوب إن شاء الله، وعليه جماهير العلماء.
ينفقون أموالهم كإنفاقهم أرباح تجارة عير أبي سفيان ليحاربوا بها النبي صلى الله عليه وسلم، ليصدوا الناس عن سبيل الله، في زعمهم أنهم يأخذون ثأرهم من محمد صلى الله عليه وسلم فيضعفون الإسلام ويقوون الكفر. هذا معنى صدهم عن سبيل الله.
وقد قدمنا مرارا أن لفظة ( صد ) تستعملها العرب استعمالين، تستعملها ( صد ) متعدية إلى المفعول ومضارع هذه ( يصد ) بالضم على القياس لا غير، ويستعلمون ( صد ) لازمة لا متعدية، ومضارع هذه فيه الضم والكسر، ومصدرها ( الصدود )، تقول : صد زيد عمرا، يصده صدا، وصد عمرو عن هذا الأمر، يصد ويصد صدودا ). هذا معروف في كلام العرب، ومن اللازمة ولغيتها : القراءتان في قوله : إذا قومك منه يصدون إذا قومك منه يصدون [ الزخرف : الآية ٥٧ ] وهذه متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، وحذف الفضلة إذا دل الدليل عليها مطرد شائع في القرآن وفي كلام العرب، أي : ليصدوا الناس عن سبيل الله، لإضعاف الإسلام في زعمهم وقوة شوكة الكفر، حتى يسيطر على الناس فلا يتركهم يسلمون. هذا معنى قوله : ليصدوا عن سبيل الله .
فسينفقونها كأنه قال : إن الذين أرادوا ذلك سيفعلونه وينفذونه، ثم تكون العاقبة وخيمة ثم يكون عليهم حسرة الحسرة : أشد النادمة، كما قال تعالى : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات [ البقرة : الآية ١٦٧ ] أي : ندامات شديدة يا حسرة على العباد [ يس : الآية ٣٠ ] أي : يا ندامتهم احضري فهذا وقتك، وهذا معنى قوله : ثم تكون عليهم حسرة أي : ندامة شديدة حيث أضاعوها ولم تجد عنهم شيئا، بل كانت الدائرة منتهاها عليهم، والغلبة عليهم، وهذا معنى قوله : ثم يغلبون [ الأنفال : الآية ٣٦ ] ثم يكون المآل أن يغلبوا ويقهروا كما كان المآل أن قتل هؤلاء وفتحت مكة يوم فتح مكة، وصاروا الطلقاء، وضاعت تلك الأموال، ولم تجد عنهم شيئا، ولم تغن لهم شيئا.
وهذه الآية الكريمة أشارت إلى ركن من ركني ما يسمى ( الاقتصاد ) ؛ لأن القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، يوضح الله به أصول جميع الأشياء التي يحتاج لها البشر، والنبي صلى الله عليه وسلم يبسط ذلك ويبينه، وهذا الذي يعبر الناس عنه اليوم في عرفهم ب( الاقتصاد )، أشارت هذه الآية الكريمة إلى أحد ركنيه، وإيضاح ذلك أن ما يسمى ب( الاقتصاد ) أن جميع مسائله المتشعبة راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما :
أحد هذين الأصلين : هو حسن النظر في اكتساب المال، ومعرفة الوجوه التي يحصل بها ذلك.
والثاني منهما : هو حسن النظر في صرف المال في مصارفه، ولا بد لأحدهما من الآخر، فالاقتصاد إذن عمل مزدوج لا يصح أحد ركنيه دون الآخر ؛ لأن الذي لا يقدر على اكتساب المال، ولا يعرف الطرق التي يكتسبه بها لا يكون صاحب اقتصاد، وكذلك الذي يعرف طرقه وهو ماهر في تحصيله، إذا كان لا يعرف صرفه بالحكمة فإنه لا يجديه شيئا ؛ لأن الإناء المخروق لو جعلت فيه البحر لما ملأه، فلا بد من حسن النظر في الاكتساب أولا، ثم حسن النظر في الصرف ثانيا. وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال أشارت إلى أحد الركنين، وهو حسن النظر في الصرف في المصرف ؛ لأن الصنيعة إذا لم تطابق مصرفها فلا فائدة فيها :

إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع
والبذل فيما لا يجدي ليس من الاقتصاد في شيء، وإنما هو تبذير، وقد ذم بعض الأدباء من يعطي ويمنع غير مركز ذلك على الحكمة فقال :
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها فلتات من وساوسه يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
فقوله في هذه الآية : فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة [ الأنفال : الآية ٣٦ ] بينت أن الصرف فيما لا يرضي الله أنه ندامة وحسرة، وانه إخلال بأحد ركني الاقتصاد، فلا بد أن يكون الصرف واقعا موقعه فيما يرضي من خلق هذا الكون.
وهذا الأمر – الذي هو الاقتصاد- أمر عظيم ؛ لأن المال شريان الحياة، ولا سيما في هذا الزمن التي كانت طرق الاقتصاد إنما مهدها ومهد جميع الطرق إلى اكتساب الأموال كائنة ما كانت، مهدها كفرة فجرة لا يدينون لله، ولا يأتمرون بأمره، فجعلوا أسسها مبنية على الربا وعلى الحرام، وعلى الغرور وعلى جميع المعاملات التي لا ترضي الله، ومع الأسف كان المتسمون باسم الإسلام ذنبا لهم يرتكبون المحرمات في تلك المعاملات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونحن نلم بشيء قد دلت عليه هذه الآية كأصول لهذا الأمر المهم، لأن هذه الآية، والآيات غيرها من كتاب الله دلت على أن له أربعة أمور، إذا نظر الناس فيها وأتقنوها كان اقتصادهم على الوجه المطلوب ؛ لأنا ذكرنا الآن أن جميع مسائل الاقتصاد وإن تشتت وتشعبت راجعة في الحقيقة إلى أصلين لا ثالث لهما، هما : حسن النظر في اكتساب المال، وحسن النظر بعد أن يحصل المال في صرفه في مصارفه. وهذان الركنان لا بد لكل منهما من نظرتين مختلفتين، فتكون أربعا من ضرب اثنين في اثنين، والنظرتان المختلفتان لا بد منهما لكل من الركنين.
أما أحدهما : فهو معرفة حكم الله ( جل وعلا ) في نوع ذلك الاكتساب، وفي نوع ذلك الصرف ؛ لأن الله ( جل وعلا ) خلق الإنسان محتاجا للنساء، ومفتقرا للغذاء، وخلق له ما في الأرض جميعا، ولم يتركه سدى يتصرف فيه باختياره، بل التصرف لا بد أن يكون بإذن مالك الملك، خالق هذا الكون ( جل وعلا )، فالنظرة الأولى إذا أردت أن تكسب مالا بوجه من أوجه الاكتساب، أو تصرف مالا في وجه من أوجه الصرف أن تعرض هذا الاكتساب أو هذا الصرف على ضوء هذا المحكم المنزل، ونور هذا الوحي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فتنظر أيجيزه أو يمنعه ؟ فإن عرفت أنه يمنعه تركته ؛ لأن خالق هذا الكون المشرع لهم ما جعل عليهم تضييقا في التشريع، وما شرع لهم إلا ما فيه السعة الكاملة لهم تكفيهم كل مهماتهم، وإذا نظرت في حكم الله، في طرق الاكتساب، وفي حكم الله في صرف المال ؛ لأن بعض المصارف التي يصرف فيها المال قد يكون على صاحبها حسرة ثم يغلب، كما قال هنا : فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون [ الأنفال : الآية ٣٦ ] وبهذه النظرة أن تنظر في وجه اكتساب المال وفي وجه صرفه إذا عرضتها على ضوء القرآن، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كفاك هذا من الفكر الهدامة، والمذاهب المفقرة الخسيسة – عليها وعلى ما جاء بها لعائن الله- كنظرة الماركسيين، واللينيين، وأتباعهم – دمرهم الله جميعا- فإن هذا إذا عرضته على كتاب الله وجدت ذلك الذي يدعون إليه ويبنون عليه تحتلهم لا يجيزه الله ولا يرضاه، فاكتفيت شره بالكلية..
ثم بعد ذلك إذا عرضت وجه الاكتساب ووجه الصرف على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، عرفت أنه جائز، فالنظرة الثانية : هي تحقيق المناط وتطبيق هذا، فقد يكون هذا الوجه الاكتساب به حلالا إلا أنه ما كل الناس يقدر على تحصيل هذا الوجه والاكتساب بهذه الطريق، فينظر له من يعرف ذلك بالخبرة الدنيوية ليقدر على تحصيل المال به في ضوء الشرع الكريم، وكذلك الصرف في المصارف يحتاج إلى من يقدر عليه ؛ لأن بعض المصارف لا يقدر كل الناس أن يقوم به، ولاسيما ما يسمونه ( المشاريع العامة ) فإنه ما كان الناس يقدر على تنفيذها ؛ فإن المشروع العام الذي عرف أن الشرع يجيزه، وأن فيه مصلحة لجميع المسلمين، وأن ولي أمر المسلمين إذا بذل فيه من مال المسلمين كان ذلك البذل جائزا، لعظم المصلحة العائدة لعامة المسلمين منه، فإنه يحتاج إلى خبراء دنيويين يعرفون كيف ينفذون ذلك الصرف على الوجه المطلوب.
فهذه الأركان الأربعة أشارت إليها هذه الآية، وهي أصول الاقتصاد، ولو وفق الله المسلمين ونظروا في أصول الاقتصاد، وما جاء به من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لأمكنهم استغلال ثرواتهم، والانتفاع بها في ضوء كتاب الله على طريق يغمرهم فيها المال، ولا يزاولون ما يسخط ربهم ( جل وعلا ) ؛ لذا قال تعالى : فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون .
ثم قال جل وعلا : والذين كفروا إلى جهنم يحشرون [ الأنفال : الآية ٣٦ ]، والذين كفروا [ الأنفال : الآية ٣٦ ] ومن جملتهم : الذين ينفقون المال ليصدوا بإنفاقه عن سبيل الله إلى جهنم أي إلى النار، كما قال ( جل وعلا )، في أصحاب جهنم : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ٤٤ [ الحجر : الآية ٤٤ ] والعياذ بالله إلى جهنم يحشرون يجمعون يوم القيامة، وقد بين الله كيفية جمعهم إليها في آيات كثيرة من كتابه، كما قال : ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ٨٦ [ مريم : الآية ٨٦ ] وقال : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها قال لهم خزنتها ألم يأتيكم رسل منكم الآية [ الزمر : الآية ٧١ ] وهذا معنى قوله : إلى جهنم يحشرون وتقديم المعمول الذي هو الجار والمجرور يؤذن بالحصر. أي : لا يحشرون إلى شيء غير النار والعياذ بالله جل وعلا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير