وأخيرا نبه كتاب الله إلى حقيقة من كبريات الحقائق تبشر المؤمنين وتلقي الطمأنينة في قلوبهم، لا سيما في أوقات الأزمات، والخطوب المدلهمات، وهذه الحقيقة هي أنه كما أنفق مشركو قريش كثيرا من الأموال، واستنفروا العدد العديد من الرجال، لقتال المسلمين وإبادتهم، ورغما عن ذلك باد الشرك وانهزم المشركون، وبقي الإسلام وانتصر المسلمون، فكذلك سينفق خصوم الإسلام بغية القضاء عليه أموالهم، وسيؤلبون عليه- لكسر شوكته- جميع قواهم، لكن عناية الله ستضع حدا لمكرهم، وترد كيدهم في نحرهم، فلا يجنون من نفقاتهم العريضة إلا حسرة وخسرانا، ولا من مؤامراتهم الطويلة إلا هوانا وخذلانا، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى في هذا الربع مبشرا للمؤمنين بكتابه، والمتعلقين بأهدابه : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا، فيجعله في جهنم، أولئك هم الخاسرين .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري